مسلسل مدير الوردية الليلية يفضح تواطؤ اجهزة الامن الغربية مع تجار الاسلحة الفاسدين The Night Manager Infiltrates the Opaque World of Illegal Arms Trading

by Sam Asi April 19, 2016

Hugh Laurie and Tom Hiddleston in The Night Manager

Based on the John Le Carré thriller of the same name, The Night Manager, which garnered the highest TV ratings when it aired in the last three months on BBC One in the UK, exposes the complicity of western security agencies in supplying illegal weapons to Middle Eastern dictators, through rogue arm traders, in order to suppress the revolting masses during the Arab Spring.  

   

استقطب مسلسل الإثارة التلفزيوني «مدير الوردية الليلة» أكثر من 6 ملايين مشاهد بريطاني كل أسبوع منذ عرض حلقته الأولى في شهر فبراير/شباط الماضي حتى اختتامه الأسبوع الماضي على شاشة «بي بي سي» الأولى، فضلا عن نيل إعجاب ومديح النقاد جمعا، مما جعل منتجيه من مؤسسة «بي بي سي»، و«أم بي سي» الأمريكية وشركة «أي أن كي» يتنفسون الصعداء، وذلك لأن ميزانية إنتاجه وصلت إلى 20 مليون دولار، وهي الأعلى في تاريخ مسلسلات التلفزيون.

 

وعلى غير العادة، أخرجت حلقات المسلسل كلها مخرجة واحدة وهي الدنماركية الحاصلة على جائزة الأوسكار، سوزان بيير، وتم تصويره ككتلة واحدة في أربع دول وهي المغرب، بريطانيا واسبانيا وسويسرا، وكأنه كان فيلما مكوّنا من 6 أجزاء، تقع احداثه في مصر، لندن، سويسرا، اسبانيا، تركيا وسوريا.

 

وفضلا عن مستواه الإنتاجي الراقي، يتسم المسلسل بقيم فنية عالية، وجماليات بصرية فاتنة وأداءات ساحرة وتشويق مثير ومضمون ذي صلة بالواقع السياسي الراهن والأهم من ذلك أنه مقتبس من رواية الكاتب البريطاني المخضرم، جون لا كاريه، الذي اكتسب شهرته العالمية من كتابة قصص التجسس إبان الحرب الباردة.

 

بدأ لا كاريه، الذي ولد عام 1931 مع الإسم ديفيد جون مور كورنويل، سيرته الروائية عام 1961 بقصة «دعوى للموتى»، التي أصدرها بينما كان ما زال يعمل لحساب جهاز الإستخبارات البريطانية (M6)، حيث مارس التجسس على الإتحاد السوفييتي في ألمانيا ومناصريها في بريطانيا، ولهذا استعار الإسم لا كاريه. ولكن بعد كشف جاسوس بريطاني خائن حقيقة هويته لـ»كي جي بي» ونجاح روايته الثالثة «الجاسوس الذي جاء من البرد» عام 1963، انشق عن المخابرات من أجل أن يصبح روائيا بدوام كامل، مركزا على قصص بوليسية تشويقية تناولت ممارسات التجسس خلال الحرب الباردة بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي وعواقبها الوخيمة على حياة الناس اليومية والساحة الدبلوماسية وفساد أجهزة الأمن التي كانت تقف وراءها.

 

نجاح روايات لا كاريه في سوق الكتب العالمية، لفت انتباه هوليوود التي حولت معظمها إلى أفلام ومن أهمها: «المصلح، خياط، جندي، جاسوس»، «خياط بنما» و»البيت روسيا». «مدير الوردية الليلية» صدر عام 1993، وهو أول كتاب يكتبه لا كارية بعد إنهيار سور برلين وانتهاء الحرب الباردة. وبدلا من التجسس على الإتحاد السوفييتي، يقوم بطل الرواية، جوناثان باين، عميل المخابرات البريطانية، بالتجسس على تاجر أسلحة بريطاني فاسد، هو ريتشارد روبر، الذي يقايض الأسلحة وتدريب مرتزقة على استخدامها بالكوكايين، التي يغمر أوروبا به، مع تجار المخدرات في كولومبيا. وكان الكتاب من أكثر كتب لا كاريه نجاحا، إذ تصدر المبيعات وقوبل بالمديح من قبل النقاد.

 

وبينما لم تتغير شخصيات الرواية في نسختها التلفزيونية، انتقلت أحداث حبكتها من أمريكا اللاتينية إلى حلبة صراعات الشرق الأوسط، المشتعل بثورات الربيع العربي. فبدلا من عقد صفقات أسلحة مع تجار مخدرات جنوب أمريكيين، يبيع روبر أسلحته التقليدية والكيميائية لطغاة الدول العربية من أجل قمع شعوبهم الثائرة ضدهم. ويفضح المسلسل فساد ونفاق المخابرات البريطانية والأمريكية التي يتعاون مسؤولوها مع روبر ويقدمون له الحماية والتسهيلات مقابل الرشوات والفوائد الشخصية. كما يحذر زعماء المخابرات، الذين لم يعرفوا هوية باين، من وجود جاسوس في محيطه، ولكنه لن يشك بباين، الذي ينجح بحنكة ودهاء خارق في كسب ثقته وأن يصبح ذراعه اليمنى.

 

لا كاريه رحب بنقل القصة إلى حلبة صراعات الشرق الأوسط الشائكة، التي كان سبرها من قبل في كتاب «الطبالة الصغيرة» عام 1983، مشيرا إلى أن هذا التغيير منح الرواية صلة بالواقع وعزز من أثرها، لأن ما يحدِث في الشرق الأوسط يمس كل فرد ومجتمع في عالمنا المعاصر.

 

وعندما قابلت النجم البريطاني، هيو لوري، الذي يلعب دور تاجر الأسلحة، روبر، في المسلسل، قال لي إن القصة صارت حديثة بفضل معالجتها لقضايا حالية وحاضرة ومؤثرة على حياة كل شخص في عالمنا: «في كل لحظة أشاهد عناوين الأخبار في الصحف أشعر لو أن ذلك حدث قبل أسبوع داخل حبكة المسلسل.»

 

لوري وقع في حب القصة عند صدورها عام 1993 وحاول أن يشتري حقوقها قبل الانتهاء من قراءة الفصل الثالث من الكتاب: «أنا لم اشتر حقوق أي شيء في حياتي ولست منتجا ولا أملك موهبة الإنتاج وهذه أول مرة في حياتي أحاول أن أشتري حقوق كتاب، وذلك لأنه اشعل قي داخلي رغبة جامحة لأداء دور جوناثان باين.

 

وفضلا عن شخصية باين المركزية الهائلة، أعتقد أن لا كاريه ركب أعظم مجموعة شخصيات في تاريخ قصصه. هذه الشخصيات استقرت في ذهني منذ ذلك الحين ولم تتركه. وذلك لأن القصة كانت مثيرة جدا ومرعبة شيئا ما.»

 

محاولات لوري، المعروف في دور الطبيب في مسلسل «هاوس»، باءت بالفشل ولم ينجح أحد في تكييف القصة لفيلم بدون التخلي عن شخصيات رئيسية فيها، وجاء قرار شركة الانتاج «أي أن كي»، التي يملكها نجلا لا كاريه، لتحويلها لمسلسل تلفزيوني قبل عامين متأخرا لأداء لوري، الذي كان يناهز 55 من العمر، دور الجاسوس الشاب، الذي ذهب للنجم البريطاني، توم هيديلستون (35 عاما).

 

ولكنه عُوّض بدور تاجر الأسلحة الشرير، روبر: «أنا كنت أحضّر لاكون شريرا منذ طفولتي وأنا شرير جدا»، يمزح لوري، الذي قرأ قصص لا كاريه كلها وهو ملم بالشخصيات التي طرحها فيها: «الحقيقة أنني ارتبطت بهذه الشخصية قبل وقت طويل من التفكير بدور هاوس. أعتقد أنها واحدة من أعظم ابتكارات لا كاريه. ما فاتنا في هذه القصة هو أن هناك عناصر تجعلك تتساءل إذا كان باين وروبر الشخص نفسه وكأنهما يرقصان معا.

 

روبر هو الوحش أو التنين وباين عازم على قتله. وهذا سعي نبيل ورومانسي جدا وجذاب لشخص شاب وهذا أمر كنت أحلم به. ولكن كلما تغلغلت في عمق القصة، تجد لحظات تتساءل فيها إذا كان جزء من الوحش في داخل باين نفسه ويقترب من خيانة ذاته ويتحوّل إلى الوحش الذي يسعى إلى ذبحه. وبالتالي كلا الشخصين يصبحا هوية واحدة.»

 

تحوّل باين إلى وحش كان لا مفر منه. أي شخص بغض النظر عن أخلاقياته وفضائله يتحول إلى وحش إذا دخل وكر الوحوش من أجل البقاء على قيد الحياة أو تحقيق غايته، وخاصة شخص مثل باين، الذي اكتسب وحشيته إبان خدمته العسكرية في حرب العراق، التي خرج منها خائب الامل ومشككا بمصداقية السياسيين الذين بعثوه هناك. ومنذ أن ترك العراق، عاش منعزلا عن الناس وابتعد عن روابط عاطفية وتقمص هويات مختلفة: عامل فنادق، طباخ، تاجر مخدرات وخدّام وكأنه كان يهرب من نفسه. ولكن الشرارة التي أشعلت نار غضبه من روبر وأيقظت شجاعته الأخلاقية كانت مقتل إمرأة عربية وقع في غرامها في القاهرة بعد أن كشفت له عن صفقة أسلحة بين روبر وعشيقها السابق، رجل أعمال عربي من عائلة حاكمة. تلك الأسلحة كانت سوف تستخدم ضد الناس الأبرياء وليس في حرب دفاع عن النفس أو الوطن، مما حفز باين على الإنطلاق في مهمة القضاء على روبر لحماية الناس من شره.

 

«روبر كان يعيش حياة رخاء جميلة مموّلة من تجارة الموت»، يقول هيدلستون: «باين كان غاضبا لأن روبر كان يحقق الأرباح الباهظة من مآسي والعنف ضد الأبرياء، ومن خلال رد فعله تكتشف شجاعته الأخلاقية.»

 

مهمة القضاء على روبر حافلة بالمخاطر، لأنه لا يثق بأحد من حوله ويحيط نفسه برجال أمن لا يرحمون، فضلا عن أنه كان مرتبطا بالمخابرات البريطانية والأمريكية، التي كانت تقدم له الحماية وتسهل عليه لوجستية صفقاته. ولكن باين نجح في كسب ثقة روبر من خلال اصطناع خدعه قام بها بإنقاذ إبنه من عصابة مختطفين، كان استأجرهم للعملية. كما لم يكن يعلم أحد بوجوده ما عدا ضابطة مخابرات بريطانية واحدة كانت تعمل من أجل تحطيم شبكة روبر وزملائه، فضلا عن أنه كان يحمل هويات عدة مما صعّب على أصدقاء روبر في أجهزة الأمن كشفه.

 

في «مدير الوردية الليلية» يدين لا كاريه فساد ونفاق أجهزة الأمن الغربية التي تدّعي أمام الملأ أنها تعمل من أجل نشر السلام والحرية في العالم وحماية شعوبها، ولكن وراء الكواليس تتاجر بأسلحة الموت وتخلد الحروب وتدعم الطغاة في قمع الشعوب وكبح الحريات.

 

ألم يبيعوا صدام حسين الأسلحة الكيميائية، ثم استنكروا عليه استخدامها ضد الأكراد بدون التوقف عن تزويده بها؟ ألم يقدموا الأسلحة لصدام حسين علنا ولإيران سرا في حربهما في الثمانينيات؟ ألم يدربوا مقاتلي «القاعدة» ويدربوهم بالأسلحة قبل أن يعلنوا الحرب عليهم؟ ألم يموّلوا عصابات «الكونترا» في حربها ضد حكومة نيكارغوا الديمقراطية؟ ألم يدججوا إسرائيل