How Did David Lynch Bridge the Gap Between TV and Cinema in “Twin Peaks”?كيف نجح ديفيد لينش في استقطاب الجمهور لمسلسل توين بيكس؟

by Sam Asi August 7, 2017
David Lynch and scenes from Twin Peaks: The Return

David Lynch as FBI Deputy Director Gordon Cole and scenes from his limited series Twin Peaks: The Return.

showtime

Since its historic premiere on the ABC network in 1990, David Lynch’s Twin Peaks has changed the television landscape and helped it attract Hollywood’s brightest talent and become the hub of originality and creativity. This year, Lynch brought it back to life with Twin Peaks: The Return, which is as complex and unfathomable as the original, yet the fans remain glued to it.

 عندما أعلن المخرج الامريكي العريق ديفيد لينش عام 2014 على موقع توتير إعتزامه استكمال مسلسل "توين بيكس" التلفزيوني الشهير، هبت عاصفة ترحيب هستيرية على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل معحبيه ومعجبي المسلسل٫ الذي يعتبر أهم انتاج تلفزيوني في كل العصور. ملايين المشاهدين من كل اقطار العالم فُتنوا به وتابعوه بتلهف عندما بثته شبكة أيه بي سي التلفزيونية الأميركية في أوائل التسعينيات وما زالت شخصياته وحلقاته محفورة في أذهانهم.

 

وفي حديث اجريته معه الشهر الماضي في فندق الفور سيزنز في بيفرلي هيلز، عبّر لي عن استغرابه من نجاح المسلسل عالميا. "كيف يمكن لقصة صغيرة في  بلدة في شمال غرب الولايات المتحدة تستقطب اهتمام اليابانيين والفرنسيين؟ هذا أمر محيّر ولكنها ظاهرة رائعة،" يعلق ضاحكا.

 

لأول وهلة، قصة المسلسل لم تبدو أنها تختلف عن قصص المسلسلات التلفزيونية الاخرى، التي كانت معروفة بسذاجتها وسطحيتها. ففي صلبها محقق من مكتب التحقيقات الفدرالي يبحث عن قاتل فتاة من بلدة "توين بيكس"  تم نشل جثتها من نهر في ولاية واشنطن. ومن خلال تحرياته نتعرف على اهل البلدة ونكتشف اسرارهم ورومانسيتهم وكيدهم وعدائهم لبعضهم البعض. ولكن ما ميز هذا المسلسل عن غيره من المسلسلات كان رؤية لينش البصرية والموسيقية المنبثقة من اسلوبه السريالي الذي يعتمد على تحطيم منطق السرد الدرامي التقليدي ويقوم على التداعيات وعلى شخصيات غريبة الاطوار وعلى الانتقال بين عوالم مختلفة وبين الطفولة والشباب وبين النهار والليل، والتداخل بين الماضي والحاضر، والمزج بين الاحلام والواقع والجمال والقباحة والرومانسية والرعب. 

 

"توين بيكس" كان حدثا تاريخيا في عالم التلفزيون لأنه كان أول مسلسل يخرجه مخرج سينمائي. المشاريع التلفزيونية كانت تعتبر فنا هابطا وخالية المضمون وكان هدفها التسلية السطحية ولهذا لم يأخذها السينمائيون مأخذ الجدية. وكان مخرجوا المسلسلات التلفزيونية مستأجرين يعملون عند الاستوديو  ويلبون أوامر المنتج كغيرهم من أعضاء الطاقم ولم يكن لهم اي نفوذ في عملية الانتاج او تأثير فني. وكان لينش اول سينمائي، وهو واحد من اهم المخرجين المعاصرين، يخوض هذا العالم ويصبغه بصبغته السينمائية السيريالية الذاتية، مما ساهم في استقطاب نجوم الافلام للعمل في مشاريع تلفزيونية ورفع مستواها الفني والمضموني.

 

ويقول لينش انه وافق على المشروع لانه، خلافا لزملائه المخرجين السينمائيين، لم يكن يميز بين التلفزيون والسينما. "صحيح أن الوسيط هو التلفزيون ولكن عملية الانتاج لا تختلف عن صنع فيلم وهي سرد قصة بصور متحركة وصوت."

 

فعلا  فإن "توين بيكس" لا يختلف أسلوبا ومضمونا عن افلام لينش السيريالية، التي تدور احداثها عادة في عالم تجريدي يشبه الحلم او الكابوس ومعبأ بالتناقضات والازدواجية والشذوذ والانحرافات والعنف والشر. هذا العالم يكمن تحت غطاء وردي وناعم يعرضه لنا لينش في بداية كل فيلم من افلامه. ففي توين بيكس يقدم لنا بلدة هادئة وجميلة قبل ان يغوص في عالمها الداكن ويكشف عن الشر الذي يتربص وراء براءة سكانها الظاهرية. هذه النظرة التشاؤمية تتكرر في كل افلامه وكأنه يحذرنا من الثقة بحواسنا ومن الانخداع بالمظاهر الجميلة ويحثنا على الغوص في الاعماق للبحث عن الحقيقة المرة والقبيحة.

 

ولكن المخرج السريالي لا يقدم أجوبة او حلولا لأزماتنا الوجودية والاجتماعية التي يسبرها في افلامه. بالعكس هو يزيدها تعقيدا وغموضا من خلال غرسها بألغاز وتساؤلات ما زالت تشغل اذهان المعلقين والنقاد حتى يومنا هذا. فعلى سبيل المثال، هوية شخصيات فيلم "مالهولاند درايف" ما زالت تثير الجدل بين النقاد: هل دايان كانت من الواقع الحقيقي وبيتي كانت من الواقع الحلمي، التين تجسدهما نعومي واتس، او بالعكس؟ من هو رجل الشر؟ الفيلم كغيره من افلامه يتردد بين الحلم والحقيقة ولكن نحن لا نعرف من الحلم ومن الحقيقة. وهذا ما نشعره عندما نحلم فربما الفيلم باكلمه هو حلم أو كابوس. الغريب هو أن لينش نفسه لا يعرف ذلك ايضا ويرفض أن يخوض في نقاش هذا الموضوع.

 

"طبيبي حذرني من التفكير بذلك لكي لا انحرف واستمر مسيرة  حياتي،" يقول ضاحكا. "أنا أفسر افلامي لنفسي، لأن كل شخص مختلف. نحن نرى نفس الاشياء ونسمع نفس الاشياء ونحاول ان نفهم ما يدور حولنا. تفسيري لن يساعد احد. لا يمكنك ان تحفر قبر مؤلف لتسأله عن كتابه، عليك ان تقرأ كتابه وتفهمه بنفسك. وهذا جميل جدا ان تفكر وتشعر وتستنتج النتائج مثل رجل مباحث."

 

فعلا فأن افلام لينش تستحوذ على اذهاننا وتشعلها بافكار غريبة وعجبية وتتحدى قدرتنا على تأويلها. ومن خلال حديثي معه، شعرت ان ما يطرحه في افلامه هي احلام انبثقت من لاوعيه ولكنه لا يدرك معناه آملا ان ينجح مشاهديها في تفسيرها. وأذكر ان الممثلة باتريشا أركيت، التي لعبت دوري ريني واليس في "لاست هايوي") كشفت لي قبل عامين انها عندما سألته عن هوية شخصيتها، رد عليها: "لا ادري. ما رأيك أنت؟" وكان عليها ان تفسر تلك الشخصيتين حسب رؤيتها.

 

رغم صعوبة أو استحال فهم ما يدور في افلام لينش الا اننا نذوب فيها ذهنيا وعاطفيا وذلك بفضل براعته في استخدام أدوات السينما الساحرة مثل الجماليات البصرية والاصوات المثيرة والموسيقى الشيّقة. وهو يعتمد على الموسيقى لخلق الأجواء والمزاج في مشاهد افلامه وبث الحياة في مشاهد صامتة لا حياة فيها وتعزيز الدراما ومشاعر الرومانس والرعب والترقب والقلق. وكل فيلم من افلامه مميز عن غيره بالأغنيات التي تفتتحه او تختتمه.

 

لينش لم يكن مهتما بالسينما في صغره مثل معاصريه من المخرجين، وما زال لا يشاهد كثير من الافلام. "أنا لم اشاهد منذ عدة سنوات لانني كنت مشغولا في صنع توين بيكس،" يقول ضاحكا. " الحقيقة أنني لست هاوي افلام. أنا احب صنع الافلام ولكن ليس مشاهدتها. كما أنني لا أشاهد برامج تلفزيونية ما عدا الاخبار."

القناة التلفزيونية الوحيدة، التي يواظب على مشاهدتها هي "فيلوسيتي" التي تبث برامج عن السيارات وصنعها وتصليحها. "أنا تعلمت الكثير من هذه القناة وخاصة العمل بالحديد ومحركات السيارات. أنه مبهج لان ما يصنعه هؤلاء الاشخاص هو اعمال فنية عظيمة،" يضيف المخرج. 

 

ورغم ان افلامه تبدو كأحلام الا انه ينكر استلهام اي منها خلال منامه. "احلامي الليلية لم تنتج اي فكرة فيلم،" يقول ضاحكا. "ولكني دائما احلم خلال يقظتي. آنا احب الجلوس في مقعدي والتفكير وتخيل اشياء حتى تحط فكرة في ذهني."

 

ولكن اذا تمعّنا في بداية حياته نستخلص ان  مصدر افكاره السوداوية التي يطرحها في افلامه ينبع من تجاربه الحياتية. فرغم انه ترعرع في عائلة من الطبقات الوسطى وعاش طفولة سعيدة جدا حسب قوله الا ان خياله كان ثري بصور مرعبة كانت تتجلى امامه منذ نعومة أظفاره، مما جعله يحس ان تحت سطح عالمه الوردي تتربص قباحة وشر ورعب وقلق. وتعزز هذا الشعور فيه عندما كان يعيش في فيلاديلفيا، حيث كان يسكن في ضاحية فقيرة تعاني من ظواهر الاجرام وتجارة المخدرات والسرقات. واعترف انه هو وعائلته كانوا يعيشون في حالة رعب مستمرة وتم اقتحام بيتهم علي يد عصابات لصوص والاعتداء عليهم عدة مرات.

 

الواقع الذي عاشه لينش ينعكس في افلامه. ففي فيلم "مخمل ازرق" نشاهد في البداية بلدة وردية وجميلة ولكن تحت سطح خضارها تكمن حشرات قبيحة وعنيفة. وسرعان ما  نكتشف أذن مقطوعة ومرمية بجانب الطريق ومن هنا يقودنا لينش الى عالم سوداوي مرعب يتربص تحت غلاف البلدة الفاتن. وهذه الفكرة تتردد في افلامه الاخرى مثل "مالهولاند درايف"، الذي يمزج جمال هوليوود الساحر بالاجرام الذي يتحكم بمسارها.

 

كما ان الازدواجية التي عاشها تنعكس في شخصيات افلامه. مثل ريني واليسون في "لاست هايوي" وديان وبيتي في "مالهولاند درايف". "أنا لا أفكر بذلك كثيرا. الفكرة دائما تأتي بشكلين. هناك امر مثير عن الازدواجية والوحدة في فلك البشرية. ربما هذا شيء في الهواء يستحضر تلك المتناقضات."

 

بلا شك ان قبولنا لافلام لينش العبثية والغير معقولة والغير منطقية اجبرنا على النظر الى المنطق بنظرة جديدة: ما هو المنطقي وما هو المعقول وما هو الحلم وما هو الواقع؟ هذه كلها امور شخصية وليست موضوعية. فالملحد، على سبيل المثال، يعتبر الايمان بالله غير محسوس هو غير منطقي، ومن جهة اخرى٫ المؤمن يعتبر انكار وجود رب لهذا الكون هو غير منطقي. وما فعله لينش هو خلق عوالم من لاوعيه ذات احكام خاصة بها، تكون غير معقولة في عالمنا الواقعي ولكنه نجح في جذبنا لها والتعايش مع احداثها والتماهي مع شخصياتها.

 

"توين بيكس- العودة" الذي يتم بثه هذه الايام على شبكة "شوتايم" لا يختلف اسلوبا ومضمونا عن اعمال لينش السابقة. لو لم يكن هذا المسلسل من صنعه لما شاهده احد ولكن معجبي المخرج السريالي يواظبون على مشاهدة كل حلقة رغم عدم فهمهم لمجريات احداثها لانهم يدركون انه يتحدى فطنتهم وأنه سوف يفاجأهم بمعجزات سينمائية لاحقا.