Damien Chazelle Mixes Jazz With North African Tunes In “The Eddy”

by Sam Asi May 11, 2020
A scene from "The Eddy", 2020

netfllix

أطلقت منصة البث الالكتروني "نتفلكس" نهاية هذا الاسبوع مسلسلاً موسيقياً "ذي إيدي" أو "الإيدي"، يتمحور حول نادٍ لموسيقى الجاز في باريس بنفس الاسم، يملكه الجزائري فريد والموسيقار الأمريكي إلييت، الذي يحاول استعادة مجده من خلال الحصول على عقد تسجيل لفرقته الموسيقية. لكن الأمور تتعقد عندما يُقتل فريد، فيجد نفسه ملاحقاً من جهتين: عصابة مجرمة تطالبه بأموال مزيفة كانت بحوزة فريد، والشرطة التي تشك بتورطه معهم وتهدد باغلاق النادي، بينما يتمرد عليه أعضاء فرقته خصوصاً المغنية البولندية، مايا، التي تربطه بها علاقة رومانسية فضلاً عن ابنته المراهقة التي تأتي من نيويورك لتعيش معه.

 

لكن موضوع المسلسل في الواقع ليس ايلييت أو علاقته بابنته وحبيبته، أو مقتل فريد أو الجرائم، بل موسيقى الجاز. وذلك ليس غريباً، علماً أن مخرجه هو الامريكي-الفرنسي الحائز على الأوسكار، داميان شازيل، المعروف بأفلام جاز أخرى كـ ويبلاش، الذي رُشح لخمس جوائز أوسكار وفاز بثلاث منها عام الفين وخمسة عشر. ولا لا لاند، الذي حقق رقماً قياسياً من ترشيحات الأوسكار عام الفين وسبعة عشر وفاز بست جوائز، من ضمنها جائزة أفضل مخرج لشازيل ليصبح أصغر مخرج يفوز بها، إذ كان عمره وقتها اثنين وثلاثين عاما.

 

ويبلاش، المستلهم من سيرة حياة شازيل، يحكي قصة قارع طبول جاز، يلتحق بكلية موسيقى مرموقة، حيث يعامله قائد الاوركسترا بَقسوة وتعسف. أما لا لا لاند فهو فيلم موسيقي يتمحور حول موسيقار جاز يحلُم بإنشاء ناد للجاز الأصلي في هوليوود، بينما يرتبط بعلاقة رومانسية صاخبة مع ممثلة تحلُم بالنجومية.

 

كان شازيل شغوفاً موسيقى الجاز منذ صغره وكانت أمنيته أن يسلك مسيرة مهنية في ذلك المجال. لكنه شعر لاحقاً أنه لا يملك موهبة كافية لممارستها باحتراف، فانتقل إلى مجال السينما، حيث مزج الجاز بالبصريات في طرح أفلامه. فما الذي يجذبه لتلك الموسيقى؟

 

"لا يزال لدى الجاز نقاوة معينة بالنسبة لي متعلقة بحقيقة أنه ليس أكثر الأشكال الفنية تجارية في هذه الأيام،" يرد شازيل، خلال حديثي معه عبر خدمة زوم. "لطالما أحببت الدعابة التي تقول إن نجم الروك يعزف ثلاث نوتات لحشد من 6000 شخص، بينما يعزف نجم الجاز 6000 نوتة لحشد من ثلاثة. إنه ذلك النوع من الطرح المعكوس عن الأشخاص الذين يعملون بجد أكبر لأنه شكل فني متطلب من ناحية الأسلوب والأفكار. ومع ذلك، من الواضح أنهم لا يعزفونه بهدف المكافأة المادية ولا من أجل أغلفة المجلات أو المال بل من أجل أمر جوهري بعض الشيء وأجد ذلك أكثر جمالاً ولكنه درامي بطبيعته."

 

ظهرت موسيقى الجاز بداية القرن العشرين في مدينة نيو أورلينز الأمريكية التي جذبت مهاجرين من جميع أنحاء أوروبا عند تأسيسها بداية القرن التاسع عشر واشتهرت بمينائها كمعبر لتجارة العبيد الأفارقة.

 

وفي حقول القطن، لجأ العبيد للغناء والعزف على الطبول للتخفيف من حدة البشاعة التي كانوا يتعرضون لها. وبعد تحريرهم نهاية القرن التاسع العشر، صاروا يدمجون في عزفهم موسيقى الأوروبيين التي كانوا يسمعونها في الكنائس والحفلات والنوادي، ومن هنا بدأت موسيقى الجاز.

 

كانت موسيقى الجاز تعتبر صرخة للحرية إذ خلافاً للموسيقى الأوروبية الكلاسيكية حيث يتبع كل أعضاء الأوركسترا لحن الملحن بدقة، يقوم الجاز على الارتجال وحرية كل عازف في الفرقة أداء اللحن حسب فهمه الخاص ومزاجه في تلك اللحظة من خلال النداء والاستجابة بينه وبين أعضاء الفرقة الآخرين.

 

 ومن هنا ينبع جمال الجاز كحوار موسيقي بين العازفين على أدوات مختلفة، يتخذ كل منهم مساراً خاص به، يختلف من عرض لآخر، وفي النهاية يصلون جميعاً الى نفس الهدف.

 

وينعكس ذلك درامياً في ذي أيدي، حيث تركز كل حلقة فيه على إحدى شخصياتِه الرئيسية وتسبر خلفيَتَها وصراعاتها، مثل فريد وتحدياته المادية، وأرملته أميرة وحدادها عليه وصراعها مع أخيها المجرم، ومغنية الفرقة مايا وعلاقتها الصعبة مع أمها واليوت، وعامل البار سيم، الذي يلجأ للعمل مع المجرمين بعد خسارتة أمواله ليؤمن لجدته المريضة بالسرطان تكلفة أداء مراسم الحج قبل وفاتها، والطبالة كاترينا، التي تتورط مع المجرمين لحماية فريد واليوت، وعازف العود جود، التي يخسر حبيبته لشاب آخر. وكلهم يستخدمون الجاز للتعبير عن مشاعرهم على اختلافها من فرح وحزن أو غضب ويأس وللتواصل مع الآخرين.

 

شازيل نفسه أيضاً يستخدم الموسيقى للتعبير عن نفسه. "دائماً ما جذبتني الموسيقى كاداة للتواصل بصورة غير لفظية، لأنني بطبيعتي أشعر في بعض الأحيان أنني فاقد للتعبير وقليل المهارة في التواصل باستخدام الكلمات. فأحيانا تتسبب الكلمات بالحيرة والغموض بقدر ما تكشفه، أما الموسيقى فتدخل في صميم الشعور بطريقة لا يمكنك التعبير عنها لكنك تشعر بها. وبالأخص فيما يتعلق بهذا المسلسل. ومن المثير أن تنظر إلى مجموعة من الأشخاص لا يتكلمون دائماً اللغة نفسها كما هو الحال هنا حرفياً، لكنهم بإمكانهم إيجاد هذه الأرضية المشتركة موسيقياً وهو يتوافق حتماً مع حقيقة الجاز،الذي يعتبر اليوم شكلاً من أشكال الفن الدولية والعالمية المتعددة المقاييس، تشاهده في طوكيو أو هلسنكي أو باريس بنفس الحيوية التي تشاهده فيها في الولايات المتحدة، ونحن نشاهد مجموعة من الأشخاص لديهم الكثير من الأمور للتحدث بشأنها والكثير من الأسرار التي يكتبونها، وليسوا متأكدين من كيفية الحديث عنها، لكنهم  يمتلكون الموسيقى دائماً كوسيلة للتعبير أحياناً عن أكثر ما يصعب التعبير عنه."

 

 

فعلًا، يتميز المسلسل بتعددية الجنسيات والأعراق واللغات: الفرنسية والانكليزية والبولندية والصربية والاوكرانية والعربية. تلك التعددية تتمثل في شخصياته: فريد وزوجته وسيم جزائريون مسلمون. مايا بولندية، وجود كاريبي، وكاتارينا اوكرانية، ورجل العصابات سربي وإليوت أمريكي أسود وابنته جولي نصف بيضاء.

 

وهو ما تعكسه موسيقى الجاز، التي بالإضافة لكونها مزيجاً من أنواع الموسيقى المتعددة، تعد ثورة ضد العنصرية، فبالرغم من قوانين الفصل العنصري، أو ما يسمى بالـ "جيم كرو"، في الولايات المتحدة في النصف الأول من القرن العشرين واحتقار البيض للسود، إلا أنهم كانوا يتدفقون إلى المسارح والنوادي لسماع موسيقى الجاز، التي سرعان ما انتشرت بين جماهير عريضة من كل الأجناس خصوصاً بين الشباب بسبب عفويتها وفطريتها وتحررها من قيود نص اللحن.

 

"إنه أمر مهم في يومنا هذا لكل من موسيقى الجاز وباريس،" يعلق شازيل. "تشاهده كثيراً على الأخبار. التعددية الثقافية في المدينة هي أمر جميل من ناحية ومن ناحية أخرى تنتج الكثير من التوتر والقلق. ليس هناك فحسب بل في كل مكان حول العالم. فباريس هنا تمثل صورة مصغرة عما كان يحدث في الأعوام القليلة الماضية في جميع أنحاء العالم، حيث أصبحنا على وعي متزايد بشأن الاختلافات بين الأغنياء والفقراء والتوترات بين تلك الشرائح المختلفة من المجتمع والطرق التي تتمازج أو تتداخل فيها الطبقة والعرق والاثنية واللغة في هذه التبديلات. إنها معقدةٌ بشكل مطلق. وفكرة اختصار كل ذلك في مسلسل عن الجاز بدت ملائمة ومثيرة للغاية عندما قررت القيام بهذا المشروع.

 

كانت قضايا التمييز العنصري والتعددية العرقية غائبة في أعمال شازيل السينمائية الآنفة، كما أنه لم يتطرق فيها للقضايا الاجتماعية التي تعد المحرك الأساسي للجاز. فواجه انتقادات لاذعة من قبل بعض المعلقين السود بعد إطلاقه لا لا ند، الذين اتهموه  بتحويل موسيقى الجاز إلى شغف فارغ وسطحي لموسيقار أبيض في مجتمع أبيض. ومع ذلك ينفي أن غايته الاولى من صنع ذي إيدي كان سبر قضايا اجتماعية، بل إن انجاذبه إليه كان لأنه عن موسيقى الجاز.

 

"أنا لم أكتب الموسيقى بل ألفها غلين بالارد،" يقول شازيل. "كل الاغاني كانت حول ناد في باريس المعاصرة. وحالما قمنا بتوضيب بعضها والتخلص من الآخر وابتكار قصة من ذلك، خصوصا بعد مجيء الكاتب جون ثورن، الذي كان قد كتب لتوه مسلسلات تركز على حارات المهاجرين في باريس، برزت فكرة داخل المدينة مقابل خارجها، إذ دائما نشاهد المركز الذهبي التاريخي والسياحي للمدينة في الافلام والاعلام ولا نرى كل ما هو خارجه أي غالبية المدينة في الواقع. وهكذا قررنا تسليط الضوء على تلك المناطق والمجتمعات فيها."

 

 فعلا الإيدي يتناول حياة شخصيات من المهاجرين وغير البيض في حاراتهم الشعبية وبيوتهم البسيطة التي قلما نشاهدها في الأفلام والتلفزيون ويسلط الضوء على عاداتهم وتقاليدهم ربما لأول مرة في مسلسل أمريكي، كمراسم العبادة في المساجد والاحتفال بعيد الأضحى أو الصلاة على أموات المسلمين وطقوس دفنهم في مقابرهم. لهذا تبدو باريس، المعروفة كمدينة الاضواء والرومانسية، كبلد عادية يعاني سكانها من كل المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها أي مدينة أخرى حول العالم.

 

من المفارقات أن شازيل قدم هوليوود، التي أيضا تعاني من مشاكل اجتماعية صعبة، كباريس، كمدينة تشع بالأضواء ومليئة بالرومانسية . "كلنا لدينا صورة جميلة لباريس وشعرت أنه لن يكون باستطاعتي أن أضيف المزيد على ذلك، لذا حاولت إيجاد زاوية مختلفة. وهو فعلا ما أحاول دائماً القيام به، بأن أقدم للمشاهد جانباً لا يتوقعه. وفي هذه الحالة، قدّمتُ باريس كما عرفتها عندما عشت هناك. و كأي كائن إنها أكثر تعقيداً مما يدركه معظم الناس وأردت أن أعكس ذلك."

 

ومن أجل طرح صورة أصلية للمجتمع الإسلامي، اكتفى شازيل بإخراج حلقتين بينما قامت مخرجتان فرنسيتان من أصل مغربي بإخراج أربع حلقات من المسلسل من أصل ثمان. الاولى هي هدى بنيامينا، المعروفة بفيلم ديفين الفائز بالكاميرا الذهبية في مهرجان كان وسيزار أفضل أول فيلم. أما الثانية فهي ليلى ماراكشي، المعروفة بـ فيلم ماروك.

 

"كان لدي مكاني الخاص بي وهو القسم الأول،" يقول المخرج. "ومن ثم هدى كانت لديها مساحتها في القسم المجاور وهكذا دواليك. أردنا أن يتم الامر بقيادة كل مخرج على حدى بحيث يتمكن كل منهم من إضفاء طابعه الخاص."

 

الايدي احتفاء بموسيقى الجاز، لهذا يصعب الاستمتاع به بدون تقدير الموسيقى كلغة عالمية تتخطى الحدود الجغرافية والعرقية والدينية والحضارية لتربط بين الناس وتثير البهجة في قلوبهم وتشفي علل أنفسهم، وتخلق الجمال من الفوضى في مجتمعاتهم.