Did Cinema Contribute to the Spread of Conspiracy Theories?

by Husam Asi April 13, 2020
A scene from "OutbreaK; 1995

A scene from Outbreak, dir. Wolfgang Petersen, 1995

warner bros.

 

منذ اندلاع وباء فيروس الكورونا بداية شهر ديسمبر العام الماضي، بات فيلم ستيفن سودربرغ، عدوى، أكثر الأفلام مشاهدة على منصات البث الإلكتروني لأن أحداثه تتطابق مع أحداث الحاضر، رغم أنه أطلق عام 2011، مما جعل البعض يسند له التنبؤ بها.

 

طبعاً الفيلم لم يتنبأ بشيء، بل طرح ما يحدث خلال تفشي وباء فيروس في العالم وفقاً لدراسة كاتب نصه، سكوت بيرن، للاوبئة الآنفة وتحديدا وباء فيروس السارس عام 2003 ووباء فيروس انفلونزا الخنازير عام 2010. لكنه أضاف لطرحه عنصرا جديدا لم يحدث أبان الاوبئة الآنفة وهو تفشي نظريات المؤامرات والمعلومات الكاذبة عبر شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعية، من خلال شخصية مؤلف نظريات مؤامرات يدعى آلان كرومويد، الذي يؤدي دوره جود لو.

 

كرومويد يصف نفسه كصحفي استقصائي مستقل و يجذب جمهورا عريضا لمدونته الإلكترونية، حيث يبث معلوماته، المبنية على نظرياته المضللة، ويدّعي أن الحكومة أن تخفي علاجا نباتيا، فيتمرد الناس على تعليماتها ويتدفقون الى الصيدليات بحثا عن الدواء، فتعم الفوضى وأعمال العنف.

 

كرامويد هو المريض الأول في وباء الخوف والهلع الموازي للوباء الفيروسي، والذي يتجسد هذه الأيام في تفشي الاشاعات والمؤامرات المضللة في جميع ثقافات العالم بشأن مصدر وباء فيروس كورونا الحالي وطرق علاجه.  كثير من تلك الأفكار طرحت آنفاً في الأفلام التي كانت محركاً مهماً لنظريات المؤامرات في القرن الماضي.

 

ففي فيلم "تفشي" الذي يتمحور حول تفشي وباء فيروس قاتل في ولاية كاليفورنيا، يكتشف بطل الفيلم أن الجيش الأمريكي يملك لقاحاً ضد الفيروس، وأنه يرفض الكشف عنه لكي يستخدم الفيروس كسلاح بيولوجي، ويقرر سحق المدينة بالقصف الجوي. 

 

الجيش الامريكي يقرر أن يسحق مدينة أخرى بقنبلة نووية في فيلم "المجانين" بعد أن يطلق عن طريق الخطأ فيروسًا في مياه شربها يقتل الناس أو يجعلهم متوحشين. 

 

فضلا عن مختبرات الاسلحة البيولوجية، الحكومية او الارهابية، يكون الوباء أحيانا منزلاً من رب العالمين لمعاقبة الفسق والكفر مثلما يعرض في "الطاعون". أو تجلبه كائنات فضائية لتسحق الإنسانية وتهيمن على كوكب الأرض كما في "سلالة أندروميدا" . لكن في معظم الأفلام يكون مصدره آسيا، أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية.

 

وفي أفلام أخرى، مثل  "القاتل الصامت"،  تتآمر السلطات ضد شعوبها ، فترفض تحذير المواطنين من وباء، بعد أن يفتك بضحيته الأولى.

 

تلك الافلام تصنف بافلام المؤامرات أو البارانويا، المبنية على تحويل الخوف الى فن، وبما أن الخوف لا عقلاني، تبدو هذه الأفلام لا عقلانيةً أيضاً، وترتكز عادةً على بطل يواجه قوى شرّ سلطوية، محلية أو اجنبية أو فضائية، غامضة تتآمر ضده أو ضد قوى الخير. ويصاب المشاهد بالبارانويا والرعب مثل البطل، الذي لا يثق بأحد ويحاول بمفرده أن يحلّ لغز الأحداث المرعبة والمركبة من حوله.

 

أحد رواد افلام المؤامرات كان سيد التشويق البريطاني ألفريد هيتشكوك، الذي كانت أفلامه في الثلاثينيات تطرح حركات إجرامية وأجنبية غامضة تخطط لعمليات تخريب ضد الامبراطورية البريطانية مثل، "الرجل الذي عرف أكثر من اللازم" .  لكن بعد إنهيار الامبراطورية البريطانية ومجيء الحرب الباردة، تحول المتآمرون في فيلمه "شمالا إلى الشمال الغربي" وأفلام هوليوودية أخرى إلى جواسيس يعملون لجهة معادية للولايات المتحدة والغرب.

 

ذلك التكيّف مع الاحداث المعاصرة، عزز من تأثير افلام المؤامرات على الثقافات وأحياناً أعاد كتابة التاريخ، وذلك لأنها لا تطرح تلك الأحداث من منظور سلطويّ بل من منظور بطل يتعاطف معه الجمهور، رغم أن طرحها مبنيّ على افتراضات سطحية غير معقولة تتناقض مع الوثائق التاريخية والادلة العلمية. 

 

أبرز تلك الأفلام، كان فيلم أوليفر ستون "جي إف كي"، الذي يرفض بطله تقرير لجنة وارن، الخالص إلى أن الماركسي لي هارفي اوسولد اغتال الرئيس الأمريكي جون أف كينيدي عام الف وتسعمائة وثلاثة وستين، ويتهم المخابرات والجيش الأمريكي بالتآمر لاغتياله لكي يحل نائبه ليندون جونسون مكانه. 

 

وفي مقابلة معه قبل سبعة أعوام، قال لي أنه راوي قصص وليس مؤرخاً. وغرضه لم يكن إعادة كتابة التاريخ بل تسخير أحداثه لخلق دراما تشويقية.

 

ومع ذلك، فإنّ ما يقارب سبعين بالمائة من الأمريكيين صدقوا نظرية المؤامرة في الفيلم، مما دفع الكونغرس إلى سن قانون يقدم موعد الكشف عن الوثائق السرية المتعلقة بالاغتيال من عام 2029 إلى عام 2017 لكي يطمئنهم.

 

اغتيال كينيدي كان منبعاً لنظريات المؤامرة في مئات الكتب والأفلام. وذلك لأن لي هارفي اوسولد قتل تحت رقابة الشرطة قبل التحقيق معه، مما دفع البعض للتكهن بأنه كان مبرمجا لقتل الرئيس، كما ورد في فيلم "المرشح المنشوري" الذي طُرح قبل عام من الاغتيال، حيث يبرمج عملاء ماركسيون ضابطاً امريكياً بالتنويم المغناطيسي لاغتيال مرشح رئاسة لكي يمكّنوا منافسه الماركسي من استلام سدة الرئاسة في الولايات المتحدة.

 

وبعد عشرة أعوام، طرح فيلم ذي "بارالاكس فيو" مؤامرة مشابهة تحيكها شركة غامضة لقتل مرشح رئاسة امريكي، يكشف عنها بطله الصحفي.

 

كغيرها من افلام المؤامرات، حظيت تلك الافلام بشعبية عالية، لأنها استغلت حاجة الإنسان الفطرية للكشف عن نظام مخفيّ في عالم تسوده الفوضى العشوائية، من خلال خلق أسباب مدبرة لكلّ حادث يبدو نتيجة خطأ أو صدفة، فضلاً عن ربط أمور لا علاقة بينها لترسم صورةً مريحةً ومرضيةً عاطفياً للأحداث.  لهذا باتت نظريات بعضها حقائق مطلقةً في أعين معجبيها.

 

 

أحدها فيلم بيتر هايام، "كوبريكورن"، الذي تقوم فيه وكالة الفضاء الوطنية الامريكية، ناسا، بتصوير هبوط طاقم فضائي على سطح كوكب مارس في استوديو، بعد فشل عملية الإطلاق. وقد ساهم الفيلم في تعزيز نظرية المؤامرة التي تدعى أن مهمات الهبوط على سطح القمر كانت خدعاً نفذتها الحكومة الامريكية لأغراض دعائية إعلامية.

 

وبعد نهاية الحرب الباردة وظهور الإنترنت في بداية التسعينيات، باتت التكنولوجيا سلاح المتآمرين الأشرار ضدّ ابطال افلام البارانويا.

 

 

ففي فيلم "المصفوفة" يصارع البطل آلات ذكية علقت البشر في عالم افتراضي لتلهيهم بينما تستخدم أجسامهم كمصدر طاقة لها. أما "عدو الدولة"، فيكشف عن خطورة برنامج التنصت الإلكتروني في أيدي عملاء جهاز الأمن الوطني الأمريكي، الذين يستخدمونه  لملاحقة البطل.

 

لكن مع ظهور المدونات والتطور الهائل لشبكات التواصل الالكترونية بداية هذا القرن، لم تعد نظريات المؤامرات  ظاهرةً محصورةً فقط في الأفلام والكتب، بل أضحت وباءً ينشره جميع من يملكون خيالاً خصباً أو يعانون من البارانويا عبر منصاتهم الإلكترونية، ويتابعهم الملايين من المعجبين. هوليوود أدركت خطر ذلك الوباء ومساهمته في تصاعد التطرف والعنصرية والكراهية والعنف. فغيرت نهجها وصارت تطرح أعمالًا روائية ووثائقية، تعتمد على البحث وتقديم الأدلة لسبر أحداث الواقع، فأصبحت سينما المؤامرات، سينما استقصائية.

 

لوحظ ذلك التغيير  بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد، فبينما انشغل المدونون بتأليف نظريات مؤامرات وهمية، ركزت افلام هوليوود على سبر أحداث الضربات وفهم دوافع مرتكبيها مثل في فيلم (يونايتد ٩٣)، أو على استغلال ادارة جورج بوش وتشيني الضربات لشن الحرب على العراق كما قدمت في (النائب).  بالإضافة إلى الكشف عن  برنامج جهاز الأمن الوطني للتنصت على الأمريكيين في فيلم(سنودن) , وفضح برنامج التعذيب الذي مارسته الـ CIA ضد المشتبهين بالارهاب في (التقرير)، الذي أخرجه سكوت بيرن، كاتب سيناريوهات افلام عدوى, إنذار بورن والمخبر.

 

بيرن يجسد السينما الاستقصائية. فأفلامه ليست مجرد معارك خيالية بين الخير والشر بل مبنية على أحداث الواقع، ويصبغ أخلاقيات شخصياتها بدرجات من الرمادية من خلال فهم الدوافع التي أفسدتهم. ومع أن أبطاله يواجهون قوىً فاسدة استبدادية، الا أنهم يختلفون عن ابطال افلام البارانويا، وذلك لأنهم يستخدمون ادوات استقصائيةً معقولةً ومنطقيةً في معاركهم.

 

وفي حديث معه قبل شهرين قال لي أن غايته من هذه الأفلام هو تذكير المجتمع بأهمية تضحيات هؤلاء الأشخاص، الذين يخاطرون بحياتهم ومهنهم من أجل الكشف عن فساد النظام والمؤسسات الرسمية.

 

"هذه الانظمة قامت على أساس القيام بأعمال عظيمة لخدمة المجتمع،" يعلق بيرن. "لكن مع الزمن فسدت بسبب العنصرية والكراهية والجشع والانانية. لهذا نحن بحاجة لهؤلاء الابطال لحمايتها وحمايتنا من ذلك الفساد."

 

في  "عدوى" لا يطرح بيرن مؤلف المؤامرات كبطل بل كفاسد، يستغل سذاجة الناس وتقبلهم نظريات المؤامرات في ظل أزمة وجودية من أجل رفع عدد متابعي منصاته الالكترونية وجني الأرباح.

 

بلا شك أنّ الانسانية ستدحر وباء فيروس الكورونا لكن يبدو أنّها ستخسر معركتها مع وباء التضليل والمؤامرات الذي تجذر في كلّ ثقافاتها وأصاب أبناء شعوبها وزعماءهم. فبينما يتكاثر مؤلفو المؤامرات وترتفع أعداد متابعيهم على منصات التواصل الاجتماعي، تخسر الأفلام ووسائل الإعلام السائدة ثقة جماهيرها، التي باتت غير معنية بطرح الاحداث بحيادية مجردة، بل تريد طرحاً يتطابق مع رؤيتها ويرضيها عاطفياً، من خلال إلقاء اللوم على الآخرين وإعفائها من أيّ مسؤولية سياسية أو أخلاقية.