افلام عربية في مهرجان تورنتو للافلام تسبر حرية وهوية المرأة العربية Female Arab directors explore freedom and identity at TIFF

by Sam Asi September 18, 2016
 Raja Amari, and the actresses of 'Foreign Body"

Sarra Hannachi, director Raja Amari, and Hiam Abbass of Foreign Body at the Toronto Fiom Festival 2016.

Getty Images

While Arab male directors focus on politics, war and economy in their movie, their female counterpart boldly defied their society’s traditions and delved into taboo subjects such as Arab womens’ sexuality, identity and freedom.

 

احد ميزات مهرجان تورونتو العالمي للافلام هي الحضور القوي للافلام العربية. وفي دورته ال 41 قدم ما يعادل عشرة افلام من مخرجين عرب أوذات مواضيع شرق اوسطية. كل هذه الافلام تطرح واقعا محبطا للانسان العربي المعاصر، الذي لم يعد أمامه الا خيارين وهما: البقاء في وطنه الفاشل واللجوء الى التطرف الديني لفك محنته وينتهي أمره أما في سجون سلطات بلده ويلقى حتفه تحت وطأة التعذيب أو في صفوف الإرهابيين حيث يُقتل ولا يدري احد به  والخيار الثاني هو المخاطرة بحياته في رحلة عبر البحر الى بلاد الغرب حيث يتوسل للقمة العيش أو يصبح خداما هناك بلا هوية ولا آمال. أما المرأة العربية فوضعها أمرّ بكثير من وضع الرجل العربي. فبينما يهجر الرجل دياره هربا من الأزمات الاقتصادية والسياسية، تتجه المرأة الى الغرب للتخلص من ضغط وقيود عادات وتقاليد مجتمعها، الذي ما زال يعتبرها حرمة وملك للرجل ويحرمها من الحرية التي ينعم بها الرجل، كما نشاهد في افلام المخرجات العربيات التي حضرت المهرجان من مختلف الاقطار العربية .

 

خلافا لافلام المخرجين العرب الرجال، التي تركز على الازمات السياسية والاقتصادية والاحتلال والحروب، المخرجات العربيات تسبر قضايا النساء والتحديات التي تواجهها في المجتمع العربي وخارجه. فقبل ان ظهرت المخرجات النساء على ساحة السينما في العقد الماضي، كانت المرأة العربية مهمشة في الافلام وكانت شخصيتها سطحية ومرسومة من منظور الرجل العربي، الذي قلما يعتبرها كيانا مستقلا تملك طموحات مهنية واحلاما مستقبلية وشهوات جسدية ورغبة للحرية. لهذا افلام المخرجات العربيات تكون احيانا صادمة للمشاهد العربي لانها تحطم المحرمات  بسبب كشفها عن حقائق تعتبر عيبا في المجمتع العربي، الذي يفضل أن يبقي امور النساء مخفية وراء ستار الممنوعات. وكثيرا ما تتعرض المخرجات والممثلات العربيات للمضايقات والاتهامات اللاذعة بسبب تحديها للتيار التقليدي. "يعتبرون ما نقوم به دعارة، ولكن علينا أن نصمد ونستمر في توعية مجتمعنا،" تقول لي النجمة الفلسطينية، هيام عباس.

 

في فيلم المخرجة التونسية رجاء عماري "جسم غريب"،نتعرف على فتاة تونسية، سامية (سارة هناشي)، يقذفها البحر، الذي ابتلع كل من كان في قارب اللاجئين، على شواطئ فرنسا. في البداية تجد مأوى عند زميل عائلة (سليم كاشيش)، أيضا لاجئ غير قانوني، وثم تلقى وظيفة كخدامة عند أمرأة عربية، ليلى (هيام عباس)، أرملة ثري فرنسي. علاقة سامية وليلى تتطور وتتحول الى صداقة حميمة، ومن خلالها نكتشف أن سامية كانت هربت من عنف أخيها الجهادي، الذي ترك ضربه المبرح ندوبا على جسدها. ورغم ثراء ليلى وحريتها في الغرب الا أنها ما زالت تحن لوطنها وتتذمر أن مهنتها في فرنسا كانت "زوجة" وكأن الوضع لم يتغير كثيرا عن واقع بلدها.

 

المهجر لم يحم سامية، التي تعيش في خوف دائم. الخوف من سلطات الهجرة الفرنسية ومن ماضيها، الذي يتمثل بزملاء اخيها الجهاديين، الذين يلاحقونها ويحاولون أن يملون عليها القوانين التي هربت منها. والنتيجة هي أنها تتمرد عليهم وعلى قوانينهم فكريا وجنسيا.

 

وضع مشابه للمرأة الفلسطينية في داخل اسرائيل تطرحه مايسالون عبود في فيلمها "بار بحر"، الذي يقدم ثلاث فتيات تعيش في شقة في تل أبيب، حيث تنعم بحرية تامة مثل الشباب بعيدا عن عيون مجتمعهن الفلسطيني المحافظ، الذي يفرض عليهن عادات وتقاليد لا تتوافق مع مستوياتهن المهنية. فبغض النظر عن تحصيل المرأة العلمي ومستواها المهني الا أنها تبقى مقيدة بقوانين صارمة تحرمها من الحريات التي ينعم بها الرجل. وحسب الفيلم ليس هناك فرق بين الرجل التقدمي والرجل المتدين، فكلاهما يتصرف مع نساءهم وكأنها ملكا لهم وعليها أن تخضع لأوامرهم. المتدين يغتصب خطيبته ليثبت سيادته عليها وثم يهددها بأن لا تكشف فعلته مذكرا إياها أن لا احد سوف يصدقها لان سمعته مثل الذهب. أما التقدمي فينال مناله الجنسي من حبيبته بفضل ظرافته ولكنه بعد ذلك يحاول أن يفرض قوانين المجتمع، الذي يرفضها نفسه، عليها، مصرا على "أنه لا يمكن تغيير الوضع في يوم وليلة."

 

وبينما تواجه شخصيات "جسم غريب" تحديات الغربة في فرنسا، بطلات "بار بحر" تواجه تحد آخر في تل أبيب وهو العنصرية الإسرائيلية تجاههن. فيبدو أن المرأة العربية تقع بين المطرقة والسندان وهذا ما تطرحه المخرجة السورية عبيدة زيتون في فيلمها الوثائقي "برنامج الحرب"، الذي يسجل احداِث الثورة السورية منذ المظاهرات السلمية حتى الحرب الاهلية الدموية. "برنامج الحرب" لا يختلف كثيرا عن فيلم طلال ديركي "العودة الى حمص،" اذ ان معظم الشخصيات التي تقدم في بدايته تلقى حتفها إما تحت وطأة التعذيب في سجون النظام أو على جبهة القتال. ولكن ما يميزه هو أنه يُقدم من منظور أمرأة عربية. فالإسلاميون الذين يسيطرون على بعض المدن السورية يمنعونها من ممارسة عملها كمخرجة ويعتقلونها لأن قوانينهم لا تسمح للمرأة الخروج من بيتها أو تأدية مهنتها. فتصيح أمام سجّانيها "أنا أكثر اسلاما منكم. من أنتم لتفرضوا على هذه القوانين؟" وفي النهاية تُطرد من تلك المدن.

 

للأسف، ما تقدمه زيتون في فيلمها يتردد في معظم الدول العربية التي انقلبت على طغاتها. إسقاط انظمه الحكام العرب تحقق ربما حرية سياسية للرجال ولكنها تخنق حريات النساء، التي كانت تخرج من بيتها آمنة وحرة في زمن الأنظمة الدكتاتورية. أما الآن فهي تخاطر بحياتها اذا تركت بيتها لوحدها وغير محتشمة في البلدان التي تخلصت من حكامها كالعراق وسوريا واليمن وغيرها.

 

الوضع ليس افضل للمرأة الفلسطينية في غزة. فبينما نشاهد الشباب يمارسون ركوب الامواج في "نادي ركوب الامواج الغزاوي"، تحرم النساء من دخول البحر بعد أن تبلغ جيل السادسة العشر. فتاة محظوظة هاوية السباحة وركوب الامواج يؤخذها والدها في قاربه داخل البحر لتقفز في الماء وتعوم بعيدا عن عيون الناس. وعندما تعود الى الشاطيء، تلتف حولها الفتيات الصغار المعجبة بها وبجراءتها وكأنها كانت بطلة ذات قوى خارقة. هذه الفتيات الصغار تعرف أن ما هو مباح للشباب يكون محرما عليهن.

 

وضع النساء يختلف شيئا ما من دولة عربية لاخرى ولكن في السعودية تواجه النساء أصعب التحديات، كما يكشف فيلم المخرج السعودي محمود الصباغ "بركة يقابل بركة" حيث يتحايل عشيقين على التقاليد والعادات مستعينين بوسائل الاتصال الحديثة للتواعد، وذلك لان المرأة ممنوعة من التواصل مع رجل ليس محرمها ولا يمكنها الخروج من بيتها لوحدها.

 

"مصدر حرمان المرأة من حقوقها ليس من الدين وانما من تقاليد وعادات المجتمع،" يقول مخرج فيلم "نادي ركوب الامواج الغزاوي"،ميكي يامين. حقا، فالفتاة المسيحية في فيلم "بار بحار" تواجه تحديات في مجتمعها لا تختلف عن التحديات التي تواجهها زميلاتها المسلمات. فالهم الوحيد على ذهن والديها هو تزويجها لاحد اقاربها وليس تطوير مهنة لها.

 

وفي معظم افلام المخرجات العربيات، خصم شخصيات النساء يكون الرجل. ولكن في الواقع، الرجل هو أيضا ضحية هذا المجتمع، الذي يفرض قوانينه على الرجال والنساء. وهذا ما يؤكده الصباغ، قائلا أن النساء التي تطالب بحقوق اوسع لها هي شريحة ضيقة تقل عن 10٪ من أناث السعودية. "الغالبية العظمى من النساء في السعودية تريد تشديد أكثر على بناتهن وابنائهن. ويعتبرن حرية المرأة نوع من الفجور،" يقول الصباغ.

 

فعلا فبينما تترك بعض الفتيات وطنهن بحثا عن الحرية في أوروبا، ترفض مراهقات عربيات ترعرت في اوروبا الحضارة الاوروبية وتتجه الى سوريا للانضمام لمجموعات متطرفة مثل داعش بحثا عن هويتهن الاسلامية، كما يكشف فيلم المخرجة الهولندية ميجكي دي جونغ "ليلى م" من خلال سرد قصة فتاة هولندية من اصل مغربي تشعر بالغربة والتهميش في هولندا وتشكي أن اهلها لا يقرؤن القرآن وتخرج في مظاهرات ضد منع لبس الحجاب قبل ان تقرر الهروب من بيت اهلها مع شاب جهادي الى سوريا للالتحاق بداعش.

 

الرجال في المجتمع العربي يواجهون مشاكل لا تقل مأساوية من مصائب النساء. وهذا ما يقدمه المخرج الاردني محمود المسعد "إنشالله تتسهل"، الذي يسلط الضوء عن فساد المؤسسات الحكومية ونظام العدل الاردني وعدم احترام الفرد من خلال طرح قصة مقاول يحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة اشهر بسبب إخفافه في دفع دين عليه. ومن المفارقات أنه يجد الحرية في السجن، الذي يفضله عن الحياة في العالم الخارجي. فهل الواقع العربي هو امرّ من السجون؟