Hamilton: A Modern Take on the Birth of the US

by Sam Asi July 9, 2020
A scene from the film of the play "Hamilton", 2020

walt disney pictures

تزامنا مع يوم الاستقلال الأمريكي نهاية الأسبوع الماضي، أطلقت شبكة ديزني بلاس الالكترونية، هاميلتون: مسرحية موسيقية امريكية، التي تحكي قصة أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، الكسندر هاميلتون، منذ ولادته في جزر الكاريبي مروراً بهجرته إلى نيويورك، حيث درس القانون،  ثم مشاركته في حرب الاستقلال الأمريكية ضد بريطانيا عام 1775 وتحوله الى أهم القادة فيها وأكثرهم قرباً من القائد الاعلى جورج واشنطن. وبعد تحقيق الاستقلال، بادر بكتابة دستور جديد، أو ما يعرف بالاوراق الفيدرالية، التي وضع فيها هيكل نظام الحكم الأمريكي. ثم لعب دوراً مهماً في بناء المؤسسات الحكومية عندما منحه الرئيس واشنطن منصب أول وزير مالي أمريكي.

 

 

ألّف موسيقى وكلمات وكتاب هاميلتون-أميركان ميوزيكال، الملحن والشاعر الغنائي، لين مانويل ميراندا، الذي استلهم القصة من كتاب سيرة حياة هاميلتون، الذي أصدره رون تشيرنو عام 2004. ومنذ عرض المسرحية الأول عام الفين وخمسة عشرة على خشبة المسرح في نيويورك، حطمت أرقاماً قياسية من حيث الجوائز، إذ حصدت 11 جائزة طوني للمسرح وجائزة بوليتسر،  ومن حيث دخل شباك التذاكر السنوي، الذي وصل إلى ما يقارب سبعمائة مليون دولار. وما زالت تعرض في مسارح العديد من المدن العالمية، وقد وصلت قيمة التذاكر المحجوزة مسبقاً إلى ما يقارب ثلاثين مليون دولار.

 

وفي حديث مع ميراندا الأسبوع الماضي، كشف لي أنه لم يكن يعرف شيئاً عن هاميلتون والآباء المؤسسين الآخرين غير كونهم رجالاً بيضاًعجزاً طُبعت صورهم على العملة الامريكية ولم يكن معنياً بهم إلا بعد قراءته كتاب تشيرنو عندما علم أن هاميلتون نشأ في جزر الكاريبي مثل والديه. "وعندما وصلتُ إلى الجزء حيث خط طريقه الى القارة الامريكية، ذهلتني القصة للغاية وجذبتني لأن حياته كانت حافلة بالأحداث، رغم أنه عاش حياة قصيرة. لم أصدق أن أحداً لم يكتب مسرحية موسيقية عن هذا الرجل. لماذا لم أتعلم عن هذا في المدرسة؟،" يضحك ميراندا.

 

لكن خلافا لميراندا اللاتيني الأصل، هاميلتون كان أبيضاً، وكان والده مالك أراضي اسكتلندي وأمه من أصول إنجليزية  وفرنسية. لكن ذلك لم يمنع ميراندا من تجسيده، فضلا عن اختياره ممثلين سود ولاتينيين لأداء أدوار الآباء المؤسسين الآخرين، الذين بالإضافة إلى كونهم بيضاً، كان بعضهم يعتبر الأشخاص غير-البيض أقل شأناً منهم. وقد قال لي بعض الممثلين في حديث معهم إن المؤسسين كانوا سيشعرون بالغضب وينزعجون للغاية لو شاهدوهم يؤدون أدوارهم. "سيقولون: احصلوا على رجل حقيقي أو شخص حقيقي ليجسدنا،" يضيف اوك اوناودوان ، الذي يؤدي دور الأب المؤسس جيمس ماديسون.

 

 

لكن ميراندا يؤكد على أن غايته لم تكن سرد قصة تقليدية عن الآباء المؤسسين. "مفهوم كتابة قصة هاميلتون بهذه الطريقة، جعلنا نمثلها بالطريقة التي قمنا بها، بغض النظر إذا كان شعورك جيداً أو سيئا أو كنت غير مبال بشأن تأسيس بلدنا،" يوضح الكاتب المسرحي. "فنحن ورثتها ونحن نتزايد كسود أو سمر وأظنه مهماً جداً أن ندعي أحقيتنا بهذه القصة ونسردها بطريقتنا. فبعكس بناء النصب لهؤلاء الرجال، هدفنا هو استجوابهم وتجسيدهم بإقناع كأشخاص معيبين تماماً، بما تسمح به مسرحية موسيقية مدتها ساعتين ونصف الساعة."

 

كما أنه يستخدم موسيقى وأغاني السود مثل الهيب هوب والآر أن بي في طرحه بدلاً من الموسيقى الكلاسيكية الاوروبية أو الاوبرا، التي عادة ما تستخدم لسرد مثل هذه الملحمات. "هذا ما كنت أتصوره دائماً،" يعلق ميراندا. "لم أتصور أبداً الرجال الموجودين على العملة. كنت أتصور كيف أسرد قصة هذا الرجل بأفضل طريقة وكيف أجعل هذا الصراع موسيقياً بالطريقة الأمثل."

 

فعلا، موسيقى المهاجرين والمنبوذين تبدو الأكثر ملاءمة لسرد قصة هاميلتون، الذي خلافاً للآباء المؤسسين الآخرين، اُعتبر أجنبياً ولقب بالمهاجر. وقد رافقته المحن طول حياته، إذ هجر أبوه الاسرة بعد ولادته وماتت أمه بينما في طفولته وافترق عن أخيه قبل وصوله الى الولايات المتحدة. وهناك يُقتل أقرب صديق له، جون لورنز، في آخر معارك حرب الاستقلال، ويموت نجله الاكبر، فيليب، في مبارزة بنادق، كما يتورط هو في فضيحة جنسية شوهت سمعته، ويضعف نفوذه بعد أن يتوفى مناصره واشنطن. وفي النهاية يلقى حتفه في مبارزة بنادق مع نائب الرئيس الأمريكي آرون بار، وهو في السابعة والأربعين من العمر.

 

لهذا بنى مانويل المحور الدرامي لمسرحيته حول علاقة هاميلتون ببار، الذي يلتقي به عند وصوله إلى نيويورك وتجمعه به صداقة حميمة. لكنها تتدهور تدريجياً ويتحول بار الى خصمه عندما ينضم لحزب مناهضيه وهو الديموقراطي-الجمهوري، ويصبح نائباً للرئيس جيفرسون. فيتهمه هاملتون بالأنانية و اللاأخلاقية و يحرض أتباعه ضده.

 

كان هاميلتون يتمتع بشعبية عالية في الولايات المتحدة بفضل مناصرته للفقراء والمستضعفين وبراعته في الاقتصاد والقانون. لهذا تحول بار الى شخصية شريرة في التاريخ الأمريكي مع أن أفكاره كانت أكثر تقدمية من أفكار نظرائه السياسيين. فقد كان يؤمن بالمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء، اللواتي كن محرومات من معظم الحقوق المدنية، وينادي بمحو العبودية في الولايات المتحدة. لكن ليزلي اودوم، الذي يؤدي دوره ينفي أن كتب التاريخ والأعمال الدرامية لم تكن منصفة معه.

 

"هناك تحذير في هذه المسرحية حول التصرفات التي تفعلها في حياتك،" يقول اودوم. "بار كان أيضا غيوراً وحسوداً وكل تلك الصفات، ما يجعل شخصيته عالماً ممتعاً لأنه معقد وبشري. فهو قبيح وجميل مثلنا جميعاً."

 

على عكس بار، خصوم هاملتون السياسيون وهما توماس جيفرسون وجيمس ماديسون، اللذان توليا رئاسة الولايات المتحدة على التوالي، يُبَجلان في التاريخ الأمريكي رغم أن كلاهما كان يستعبد المئات من السود وأمر بطرد الهنود الحمر من أراضيهم ليحل مكانهم المستعمرون البيض.

 

من المفارقات أن جيفرسون صاغ إعلان الاستقلال المبني على ضمان حرية الفرد والمساواة بين البشر بغض النظر عن أعراقهم أو مللهم، بينما يعرف ماديسون كأب الدستور، القائم أيضا على ضمان الحريات وحماية المواطن من وطأة السلطة ومنحه حق الدفاع عن نفسه أمام القضاء.

 

"جيفرسون كان رجلا متعلماً ولديه مُثل مثيرة للاهتمام، لكنه كان أيضاً حثالة،" يعلق دافيد ريغز، الذي يجسد دوره. "يمكننا أن نزيل كل تماثيله، فلا داعي أن نبجله بتلك الطريقة، لكن بإمكاننا أيضاً أن نقدر الأمور المفيدة التي قدمها لنا."

 

"ربما تعتقد أن أمراً ما هو الصح، لكن عليك أن تشكك بالأمور التي تصدقها والأمور التي تدعمها وأن تنظر إلى كيفية تأثيرها على الناس،" يضيف أوك. "في ذلك الوقت، عندما نشأت هذه البلاد، السود لم يعتبروا بشراً، لذا بالطبع سيتغلغل ذلك في مجتمع اليوم، حيث لدينا مشاكل مع العنصرية المنهجية، ومن المهم أن ننظر إلى هؤلاء الاشخاص ككل قبل أن نحتفي بهم ونبني تماثيلاً لهم."

 

أما هاميلتون فكان مناهضاً للعبودية. لكن من المفارقات أنه رفض الحريات المدنية التي أصر  جيفرسون وماديسون على صياغتها في الدستور، إذ كان يؤمن بتعزيز نفوذ الحكومة المركزية من خلال فرض الضرائب على المواطنين، وتقوية الجيش والبحرية وتأسيس البنك الوطني، ونظام التعريفات الجمركية وبناء علاقات تجارية مع دول أخرى. وقد نجح في تحقيق كل ذلك بفضل دعم واشنطن له. لكن الأخير، الذي كان يملك مئتي عبد، لم يتفق معه على إلغاء العبودية رغم أنه حرر عبيده عند وفاته.

 

"تحرير عبيده بعد موته لا يعني شيئًا،" يقول كريستوفر جاكسون، الذي يجسد دور واشنطن. "من الواضح أنه استفاد بالكامل من عبوديتهم. لا يمكن أن تسترجع ذلك دون أن تنتقد بشدة ذلك السلوك البغيض والانعدام الكامل للالتزام الأخلاقي."

 

لكن الكتب والأفلام كانت تقدم هؤلاء الآباء المؤسسون كمستنيرين ومثاليين وما زالت نصبهم التذكارية منتشرة في الولايات المتحدة. لكن ظهور مفكرين وفنانين من غير البيض، مثل مانويل، قلب ذلك الطرح رأساً على عقب، من خلال تسليط الضوء على نفاقهم الأخلاقي، الذي حرم خمس سكان بلادهم، وهم السود، من الحرية المبني عليها دستورهم.

 

"لا بد أن تتاح لك المعلومات لكي تحكم على هؤلاء الأشخاص،" يقول ديغز. "وهنا تخذلنا دروس التاريخ. لم أعلم إلا عندما كبرت أن جيفرسون أو واشنطن وغيرهم كانوا يملكون عبيداً. إنهم عديمو الجدوى كتماثيل. لهذا في مسرحة هاميلتون نحوّلهم إلى أشخاص معيبين للغاية، يرتكبون الأخطاء لمدة ثلاث ساعات. فهم بشر يمكنك محاسبتهم كما تحاسب صديقك المفضل، مع أن أفكارهم المدهشة غيرّت العالم وأحدثت ثورة في طريقة وجود الفكر الحديث فيما يتعلق بالمجتمع المدني."

 

التناقض بين أفكار وتصرفات الآباء المؤسسين أسفر لاحقاً عن حرب أهلية ضارية بين شمال وجنوب الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر من أجل تحرير العبيد. فالشمال استشهد بمبادئ الحرية التي صاغها المؤسسون في الدستور بينما استشهد الجنوب بامتلاكهم العبيد. وما زال ذلك الجدل الحاد مشتعلاً في المجتمع الأمريكي حتى يومنا هذا. وقد عمد المتظاهرون مؤخراً إلى تحطيم تماثيل شخصيات تاريخية بارزة، مثل جيفرسون.

 

"ما يثير إهتمامي هو أن كلمات أغاني هذا العرض لم تتغير منذ أن كتبتها عام 2015 رغم التطورات التي شهدناها،" يعلق ميراندا. "قضيت ست سنوات في كتابة أفضل عرض بوسعي كتابته. وقد وجدت أنه عندما يتغير العالم من حول العرض، تتماهى معه كلمات الأغاني المختلفة لأسباب مختلفة. انطبق ذلك على عهد أوباما وعلى عهد دونالد ترامب واليوم أيضاً." 

 

هاميلتون تحفة فنية مدهشة، يستحضر فيها ميراندا ماضي أمريكا ويطرح أفكار مؤسسيها  بأدوات سرد موسيقية حديثة من أجل إعادة تعريفها في الحاضر: أمريكا المتعددة الأعراق، والحضارات والأفكار وليس مستعمرة للبيض. بلد الحريات والمساواة والديمقراطية وليس بلد العبودية والاستغلال.  لكنه لم يخفف من حدة الجدل في المجتمع الأمريكي حول ماهية بلدهم  العظمى، بل أشعله من جديد.