Netflix’s Ratched Sheds New Light on the Eponymous Infamous Nurse

by Sam Asi September 21, 2020
Sarah Paulson in a scene from "Ratched",2020

SAEED ADYANI/NETFLIX

منذ أن نشر كين كيسي رواية "أحدهم طار فوق عش الوقواق" عام 1963، حاول الممثل والمنتج الهوليوودي العريق، كيرك دوغلاس، الذي اشترى حقوقها، أن يطرحها سينمائياً وأن يقوم بدور بطلها راندال ماكميرفي، لكنه لم يجد إقبالاً من استوديوهات هوليوود. وعندما بلغ الستين عام 1975، أدرك أنه لم يعد ملائماً لأداء الدور الرئيسي، فقرر أن يبيع حقوق الرواية لابنه، مايكل دوغلاس، الذي كان أكثر حظاً منه في إنتاج الفيلم.

 

دوغلاس الابن اختار التشيكي، ميلوس فورمان، لاخراج الفيلم، بعد أن أقنعه الأخير أن الفيلم يعكس واقع الاستبداد الذي كان يعيشه تحت النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا. كما اختار جاك نيكولسون لأداء دور ماكميرفي، المجرم المدان بجريمة أغتصاب، الذي يدّعي الجنون لكي يتفادى الأعمال الشاقة في السجن.  فيُنقل إلى مستشفى الأمراض العقلية لتقييم صحته الذهنية، وهناك يجد ممرضة باردة ومتغطرسة تدعي ميلدريد راتشيد، تتحكم بالمرضى وتستغلهم لتنفيذ رغباتها وتعاقبهم بقسوة إذا خالفوا تعليماتها. فيقرر ماكميرفي أن يتحداها ويحرض المرضى ضدها. فتعاقبه بشتى وسائل التعذيب، ومنها الصدمات الكهربائية، بحجة معالجته، وفي النهاية تجعله مجنوناً بالفعل.

 

الفيلم أبهر النقاد، الذين اعتبروه أحد أعظم التحف السينمائية، وحصد أهم خمس جوائز للأوسكار وهي أفضل إنتاج لدوغلاس، وأفضل مخرج لفورمان وأفضل ممثل لنيكولسين وأفضل ممثلة للويس فلتشير وأفضل سيناريو، ليصبح ثاني فيلم يحقق ذلك. وبات يعتبر معلماً مهماً في الحضارة الامريكية.

 

تدور أحداث الفيلم بداية الستينات، تزامناً مع ظهور الحركات المناهضة لحرب فيتنام وصعود حركات الحقوق المدنية. تلك الحركات أشعلت الشارع الأمريكي بالمظاهرات وأحيانا العنف، ما دفع الحكومة الامريكية للرد بصرامة من أجل إخمادها وإعادة النظام في المدن.

 

استمرت ممارسات الحكومة الفظة حتى السبعينيات، عندما انطلق الفيلم في دور العرض، وعكس ذاك الواقع، فراتشيد، المرتدية لباس الرحمة الأبيض، جسدت الاستبداد بحجة الحفاظ على النظام. ولهذا تحولت إلى أكثر شخصية سينمائية شريرة يكرهها الجمهور الامريكي، لدرجة أن تلك الكراهية طالت فليتشر، الذي لعبت دورها.

 

"مقاربة لويس للدور كانت مركبة ومثيرة للاهتمام،" تقول صديقة فليتشر، النجمة الهوليوودية شارون ستون. "لكن إذا شاهدته مجدداً اليوم قد لا تراه بنفس الطريقة. أعتقد أن الأمر متعلق بهويتنا اليوم أكثر من تعلقه بالطريقة التي أدت فيها الدور. بعض الناس يأخذون مواقعهم السلطوية و يسيئون استخدامها ولا نعلم لماذا يقومون بذلك. هل تعرضوا للإساءة؟ هل هم محاصرون داخل نوع آخر من العجز في صحتهم العقلية؟ ليس بالضرورة أن تترافق السلطوية مع الإساءة. هناك شخصيات جيدة في مواقع السلطة وهناك استخدامات جيدة للسلطة والقوة ولكن عندما يستخدم الناس سلطتهم للإساءة أو الاذى بشكل عام، هذا دليل على وجود أزمة ما في حياتهم."

 

"أحدهم طار فوق عش الوقواق" لم يسبر خلفية راتشيد أو دوافع تصرفاتها المرعبة أو أزماتها الشخصية والنفسية، ولم يسأل أيضاً إذا كانت فعلاً تريد أن تضر المرضى أم تحميهم من عقولهم المضطربة.

 

تلك الاسئلة يتناولها مسلسل جديد من نيتلفكس من إنتاج المنتج التلفزيون الشهير رايان ميرفي، وهو راتشيد، حيث تقوم بدورها سارة بولسون. ويطرح المسلسل سيرة حياة الممرضة الشهيرة منذ طفولتها من منظور معاصر، دون التسرع في الحكم عليها كشريرة، بل كممرضة كانت تتطبق الوسائل العلاجية المناسبة للأمراض العقلية آنذاك في الولايات المتحدة.

 

"أعتقد أنها إمرأة من نتاج زمنها،" تعلق بولسون. "فهي لا تعرف كيف تتحدى ما يملى عليها فيما يتعلق بطريقة علاج هؤلاء المرضى. بالتأكيد كان ذلك هو التفكير السائد بشأن طرق العلاج في الولايات المتحدة في ذلك الوقت و باعتقادي، السبب في أن الناس وجدوا سلوكها شريراً للغاية كان لأن طبيعة ذلك الفيلم صُممت لتجلعنا نقع في حب المرضى، بينما كانت هي تمنعهم عند كل منعطف من الاستمتاع بيوم هادىء أو ممتع. وتركز بشدة على التزامها بالقوانين وتؤمن أن ما سيساعدهم هو وجود نوع من الهيكلية. أعتقد أننا جميعاً نريد من الناس في لحظة التحدي الكبير أن يفعلوا شيئا أفضل وأكثر بطولية، وما كان سيكون عملاً بطولياً بالفعل هو إذا عارضت كل ما تعلمته وكل ما كانت تعرفه من حيث طرق معالجة الناس، وقادت فقط من خلال إنسانيتها. لكنها لم تفعل ذلك."

 

يفتتح المسلسل أحداثه قبل أحداث الفيلم بعشرين عاماً وذلك في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين في شمال كاليفورنيا، حين تأتي راتشيد الشابة بحثاً عن العمل في مستشفى للأمراض العقلية، يرأسه طبيب نفسي غريب الأطوار يجرى تجارب علاج مروعة على مرضاه. راتشيد تقدم نفسها كأكثر الممرضات كفاءة للعمل معه، لكنه يرفض طلبها. فتكيد له مكيدة تجبره لاحقاً على منحها الوظيفة وتدريجياً تنال رضاه ثم ثقته العمياء من خلال الاحتيال والكذب وتوريط مقربيه بجرائم ارتكبتها هي، وتساعده في التستر على الجرائم للحفاظ على سمعة المستشفى، فيصبح رهينة لطلباتها وضحية لابتزازها. ويكتشف حقيقة مأربها بعد فوات الأوان.

 

المسلسل يعود أيضا إلى طفولة راتشيد في مشاهد فلاش باك ويكشف أنها كانت يتيمة وترعرت وأخوها الأصغر في بيوت حاضنة حيث كانا يتعرضان للتنكيل والتعذيب والاغتصاب، وعندما بلغا سن الرشد قتلا عائلتهما الحاضنة الأخيرة وافترقا عن بعضهما البعض بعد هروبهما.

 

ورغم تباين الطرح بين الفيلم والمسلسل الا أن بولسون سلكت نهج فليشر في أداء دور راتشيد، فقدمتها كامرأة باردة تستغل الأبرياء من أجل تحقيق مآربها، ولا ترحم من يتصدون لها بل تعاقبهم بابشع انواع العقاب.

 

"لم أعتقد أنه سيكون مفيداً للجمهور ألا يتعرفوا عليها بتاتاً،" توضح بولسون. "أحيانا أظن أننا كلما تقدمنا بالسن، ينتهى بنا الأمر إلى أن نصبح نسخة أكثر كلسية عما كنا عليه كأشخاص أصغر سناً، عندما كنا لا نزال كالأسفنجة وما زلنا نكوّن أنفسنا. وبحلول الوقت الذي نلتقي فيه لويس فليتشر والممرضة راتشيد في بداية الستينيات، نتساءل كيف أصبحت باردة وقاسية ومنغلقة على ما يبدو. وأيضا ظننت، بالنظر إلى القصة التي كنا نرويها عن طفولتها، إنه من المؤكد والبديهي أن برودتها وقسوتها يمكن أن تكونا نتيجة حقيقية لتلك المعاملة التي تعرضت لها وذلك لكي تحمي نفسها."

 

 

فضلا عن طرح أسباب دفعت راتشيد للتصرف بصورة لا أخلاقية وارتكاب الجرائم البشعة من أجل تحقيق غاياتها، يحيطها المسلسل بشخصيات عادية ليست أقل سوءاً منها، ما يجعل شرها يبدو كغريزة فطرية مغروسة في البشر أو ربما كمرض متفشي بينهم.

فمدير المستشفى يقوم بتجارب مروعة على مرضاه، بينما تلبي الممرضة الرئيسية أوامره وتخضعهم لعلاجه المرعب. أما حاكم كاليفورنيا فيصر على إعدام المدانين بالكرسي الكهربائي بنفسه، ويحرقهم أمام الإعلام لكي يثبت للناس صرامته ضد الإجرام وينال أصواتهم في الانتخابات. بالإضافة إلى ممرضة أخرى ترتكب جرائم قتل لكي تهرّب حبيبها المحبوس في مستشفى المجانين.

 

“أجل تعمدنا أن نسمح للقليل من النور والإنسانية أن يدخلا،" توضح بولسون. "وهذا لا يعني أنها لا تتصرف بطرق مشكوك بها أخلاقياً. فالبنسبة لها الغاية تبرر الوسيلة. وإذا كان هناك أموات خلال تلك المسيرة، فإن تلك عاقبة وخيمة. لكنها على استعداد للمخاطرة بها من أجل الأشياء التي تحتاجها أكثر من أي شيء في العالم."

 

إحدى تلك الشخصيات أم ثرية، تدعى لينور اوسغود، التي تؤدي دورها شارون ستون. أوسغود تستأجر قاتلاً محترفاً لقتل طبيب نفسي وقطع رأسه لكي تقدمه كهدية لابنها، الذي فقد يديه ورجليه بسبب علاج الطبيب، بدلاً من أن تمنح ابنها الحب الذي يبتغيه أكثر من أي شيء آخر. فهي تتصرف معه وكأنه عبء عليها وتتخد من قردها رفيقا وتقضي جل وقتها معه.

 

"أعتقد أنها تحب ابنها جداً،" تعلق ستون. "لكن الصدمة بسبب ما حدث له تملؤها بالندم والذنب فتمضي وقتها مع هذا القرد لأنها تريد رفيقاً تتحدث معه. أعتقد أننا جميعا نكلم أنفسنا ولدينا هذا الوعي الأعلى أو أيا كان الذي نتحدث إليه. فالقرد هو استعارة لكيفية حلها لمشاكلها لأنها فقدت الثقة في تلك الجوانب الأكبر. وبالتالي لديها شيء يمكنها أن تراه وتشعر به وتلمسه."

 

ستون ليست غريبة عن الادوار الشريرة فقد جسدت العديد منها، كان أشهرها دور عميلة الحكومة الفاسدة في فيلم الخيال العلمي "توتال ريكول" عام 1990 والقاتلة المشتبه بها في فيلم الاثارة الجنسي "غريزة أساسية" عام 1992. لكن خلافاً لتلك الادوار، أوسغود لم  تُطرح كشريرة ترتكب الجرائم لاغراض فاسدة ولا اخلاقية بل كأم اوقعتها ظروفها في شباك الشر من أجل الانتقام لابنها. وذلك يعكس التغير الملحوظ في طرح الشخصيات الشريرة في العقدين الأخيرين في السينما، إذ صارت الافلام تطرح جوانب أخرى لتلك الشخصيات، تاركة الحكم عليهم وعلى تصرفاتهم للمشاهد.

 

ستون تقر أن السينما نضجت وصارت ترسم الناس بخطوط عريضة، لكنها تصر على أنها غيرت نهجها تجاه تلك الشخصيات منذ 25 عاما. "بدأت أنظر إلى الأشرار كدراسات للشخصية. فعندما أؤدي دور مجرمة لا يزال يتعين عليّ معرفة سبب كونها كذلك، وما الذي يدفعها إذا كانت مختلة عقلياً ويجعلها معتادة على كل شيء آخر لدرجة أنها تركز بشكل خاص على هذا الشيء الفريد؟ فعليك أن تنظر الى عدة وجهات نظر، وأن لا تشترك في النظر من الخارج باتجاه الداخل بل في النظر من الداخل إلى الخارج."

 

إذاً، مسلسل راتشيد ليس مجرد سبر لشخصية ممرضة شريرة، بل يقدم دراسة للطبيعة الإنسانية الهشة وتصرفات أفرادها. فليس كل من أرتكب تصرفاً شريرا هو شخص شرير، فكل عمل شرير له دافع يصعب أو يستحيل على مرتبكه أن يتحكم فيه، واحيانا يكون ارتكاب الشر ظنا أنه في مصلحة ضحيته. فالطبيب والممرضات كانوا يعتقدون أن علاجهم المروع يشفي مرضاهم من أسقامهم، مثلهم مثل الجندي الذي يقتل في حرب من أجل حماية بلده. لهذا يمكن القول إن هدف راتشيد لم يكن خنق حريات المرضى والتنكيل بهم بل الحفاظ على النظام في المستشفى وحمايتهم من عواقب الفوضى.-