The New Arab Cinema Battles Social Conservatism

by Husam Asi June 25, 2019
A scene from "Capernaum", 2018

A scene from director Nadina Labaki's Capernaum.

sony pictures classics

في الأعوام الاخيرة حطمت الافلام العربية ارقاما قياسية في مشاركاتها في أبرز المهرجانات العالمية على غرار كان وفينسيا وتورنتو وبرلين وفاز بعضها بأهم جوائزها. كما ترشح خمسة عشر فيلما عربيا للاوسكار من دول عدة وهي لبنان، مصر، سوريا، موريتانيا، فلسطين والاردن، كان أولها فيلم الفلسطيني هاني أبو أسعد "الجنة الان" عام 2007. إذاً كيف حدث هذا التطور السينمائي رغم التحولات الاجتماعية والاضطرابات السياسية التي شهدتها دول عربية كثيرة في الفترة الأخيرة؟

كانت مصر أول بلد عربي عرف فن السينما في أواخر القرن التاسع عشر، عندما عُرض اول شريط فيلم في مدينة الاسكندرية عام 1895. ومع أن السينما انتشرت لاحقا في دول عربية اخرى، إلا أن السينما المصرية ظلت تمثل العمود الفقري للسينما العربية وخلقت رابطا ثقافيا وحضاريا للهوية العربية. لكن قيود الرقابة وانعدام حرية التعبير وغياب النقد السينمائى حال دون تطورها لمستوى عالمي لتبقى محصورة في المنطقة العربية.  فظلت، كغيرها من السينمات العربية، تعتمد غالبا على الميلودراما والغناء والرقص والتعبئة ضد الاستعمار الغربي والاحتلال الاسرائيلي بدلا من سبر القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة في داخل المجتمع العربي. وقد اعتبرها مفكرون عرب تسلية فارغة استغلتها السلطات لتخدير الشعوب وليس حقلا للإبداع الثقافي أو الفكري.

ومع ظهور المحطات الفضائية، التي صارت تبث المسلسلات التلفزيونية التجارية عبر الساعة،   وأقراص ال DVD ، التي خلقت ظاهرة قرصنة الافلام، في تسعينيات القرن الماضي وغياب قوانين حقوق الملكية الفكرية تدهورت السينما المصرية الى أدنى المستويات، دخلا، وفنا ومضمونا، بينما اختفت السينمات العربية الاخرى.

في بداية الألفية الاخيرة بدأ يظهر جيل جديد من سينمائيين عرب تدربوا في أوروبا والولايات المتحدة، قدموا أفلاما معقدة ومتقنة بأساليب ابداعية راقية وسرد غير تقليدي تعالج مواضيع اجتماعية حساسة وتطرح افكارا تقدمية وايديولوجيا حديثة مثيرة للجدل وأحيانا استفزازية. وتزامن مع ذلك ظهور مؤسسات خليجية، مثل السند وانجاز من الامارات وقمارة من قطر،  بعد ضربات الحادي عشر من سبتمبر أُسست لخلق سينما عربية على مستوى فني عالمي من أجل طرح وجهة نظر عربية للعالم من خلال التعاون مع مؤسسات سينمائية امريكية واوربية، على غرار معهد صندانس للافلام ومعهد ترايبيكا ومهرجانات برلين وكانّ السينمائية،  لتوفير الدعم المادي وورشات التدريب للسينمائيين العرب.  وهكذا وُلدت السينما العربية الحديثة.

افلام السينما العربية الحديثة استخدمت اساليب السينما الاوروبية والامريكية واحيانا اساليب اصلية لطرح مواضيعها، على غرار فيلم الفلسطيني ايليا سليمان "يد الاهية"، الذي ابتكر سردا لا خطيا وساخرا في طرحه للواقع الفلسطيني، وكرّم بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كانّ السينمائي عام 2002. وفيلم الأردني ناجي أبو نوار "ذيب" المرشح للأوسكار الذي استخدم اسلوب الوسترن في سرده قصة من التاريخ العربي الحديث. لكن ما ميز افلام السينما العربية الحديثة هو مضامينها الجريئة المثيرة للجدل، التي كسرت المحرمات في العالم العربي، على غرار فيلم المصري مروان حامد "حارة يعقوبيان"، الذي صدم الجمهور بطرح علاقة جنسية مثلية بين رجلين لاول مرة في تاريخ السينما العربية،  وفيلم اللبنانية نادين لبكي "سكر بنات" ، الذي قدم نساء مستقلات عن الرجال واحدة منهن مثلية الجنس.

"أنا استخدم السينما كسلاح لتغيير الوضع في المجتمع وشواذه، لأنني اشعر بالمسؤولية كأنسان يعيش في المجتمع،" تعلق لبكي، الذي فازت بأهم الجوائز السينمائية العالمية عن افلامها، من ضمنها جائزة جمهور مهرجان تورنتو السينمائى، وجائزة الحكام في مهرجان كان الفرنسي ورُشحت لجائزة الغلودن غلوب والبافتا البريطانية والسيزار الفرنسية والاوسكار.

 كما تمحور فيلم المصري عمرو سلامة "اسماء" حول امرأة مصابة بمرض الايدز تحاول التأقلم في مجتمع معاد، بينما قدّم هاني أبو أسعد في "الجنة الان" المناضل الفلسطيني كمتردد في تنفيذ عملية انتحارية في تل أبيب، وهي صورة مخالفة لافلام البطولة العربية التقليدية. أما المغربي نبيل عيوش فقد صدم المغرب بالكشف عن ظاهرة سياحة الدعارة في فيلمه "الزين اللي فيك" وأُتهم بتشويه صورة بلده.

"أنا لم اصف المغرب كبلد دعارة،" يعلق عيوش. "هذه ظاهرة اردت أن أتطرق اليها، لأن تجاهلها وإنكار وجودها سوف يجعلها اسوأ واسوأ. لا بد لنا أن نسلط الضوء على عيوبنا وشواءبنا لكي نواجهها ونعالجها. لا يمكننا أن نستمر بترويج فكرة أننا مثاليون. نحن نعاني من الامراض الاجتماعية مثل غيرنا من شعوب العالم، وعلينا أن نتصدى لها."

عيوش وممثليه واجهوا التهديدات والعنف من المجمتع، مما دفع احدى ممثلاته الى الهرب من المغرب الى فرنسا بعد الاعتداء عليها. بينما منعت السلطات الفيلم من العرض في صالات السينما.

لكن رغم نيل تلك الافلام جوائز سينمائية عالمية ووصولها الاسواق الاجنبية الا أنها لم تلق إقبالا من الجماهير العربية وقلما حققت أرباحا في شباك التذاكر. لهذا تعتمد عادة على التمويل المشترك مع مؤسسات اجنبية وعلى اسواق خارج العالم العربي، حيث يوجد اهتمام بالسينما الفنية. ويعزو موزع الافلام الفنية في الدول العربية، علاء كركوتي، ذلك لعدم  وجود أو محدودية ثقافة سينمائية في العالم العربي. لكنه لا يلوم الجماهير بل يحمل الحكومات العربية مسؤولية الفقر الثقافي في مجتمعاتها.

"هذا شيء تراكم،" يعلق كركوتي، مدير مركز السينما العربي في القاهرة. "الثقافة والسينما يكون دائما في برنامج أي حكومة. الجانب الثقافي لا يقل اهمية من اي خدمة عامة أو لا يختلف عن الاكل."

خلافا للافلام العربية والمسلسلات التلفزيونية السائدة، السينما العربية الحديثة ليست ترفيها وحسب، بل ثورة ثقافية تناهض المفاهيم المحافظة المتجذرة في الوعي العربي، لكنها قلما تتنقد الحكومات بصورة مباشرة، لهذا تواجه اكثر عداءا واستنكارا من المجتمع أو الفئات المحافظة وخاصة الدينية، التي كثيرا ما تحرم الافلام وتتهم مخرجيها بالكفر والانحطاط الاخلاقي وبث المنكر وتشويه صورة العرب امام العالم من خلال التسليط على سلبياتهم بدلا من ايجابياتهم.

"هل تعرف مقولة بتخبأ وراء اصبعه،" تسأل لبكي، التي واجهت استنكارا بسبب طرحها واقع الاطفال المشردين في الشوارع اللبنانية في فيلمها الاخير، كفر ناحوم. "نحن نختبأ وراء اصابعنا. يعني نتباها بلبنان وخضاره ونتباها بالشعارات الكبيرة ولكن بالنهاية على الارض يوجد شواذ كثيرة. أنا لا ادري كيف لبنان او العالم العربي ما زال واقفا على رجليه وأستغرب أن الناس لا تأكل بعضها البعض وكيف تعيش مع كل الشواذ الموجودة في كل مكان."

عمرو سلامة واجه ايضا انتقادات لاذعه لطرح مواضيع حساسة في افلامه مثل "أسماء" و"بدون مؤاخذة" وشيخ جاكسون"."رقابة المجتمع اشد من رقابة السلطة لأن الجمهور في مصر والعالم العربي محافظ جدا. وهذا يخلق ضغطا كبيرا على أي فنان لأنه اصعب شيء هو أنك تفكر برد فعل الناس عندما تكون تكتب سيناريو فيلمك بدلا من أن تطرح افكارك بحرية."

وهذا أيضا ما شعره المغربي عيوش بعد أنطلاق فيلمه الممنوع، الزين اللي فيك. "رد فعل الجمهور العنيف لفيلمي كان أكثر اهمية لي من ناحية فهم مجتمعاتنا وذهنياتنا. وهذا ما يجعل هذا الكفاح بالنسبة لي حتى أكثر اهمية لهذا السبب."

حتى في البلدان العربية التي تخلصت من رقابة السلطة مثل العراق وتونس، ما زال السينمائيون يواجهون رقابة المجتمع، التي يجدونها أكثر خطرا عليهم، حسب المخرج العراقي محمد الدراجي. "رقابة المجتمع ورقابة الاحزاب الدينية والسياسية والشخصيات الدينية هي صعبة جدا. يعني أنا أحاول أن أكتب بحرية وأتناول ما أشاء ولكن احيانا في خلف دماغي، أقول: انتبه يا محمد والا سيكون مصيرك الموت."

السينما فن، والفن هو طرح رؤية خاصة لفنان ما، قد تثير الجدل وتحقق تغييرا في المجتمع أو تحث فنانا أو مفكرا آخرآ على طرح رؤية آخرى وهكذا تتعدد الأفكار وتتطور الثقافات وتتبلور الحضارات. ففي المجتمعات المتحضرة تجد المحافظ والليبرالي، المتدين والعلماني، الشرقي والغربي يخوضون معارك فكرية بنّاءة وليست دموية مدمرة. لهذا كثيرا ما يترك السيمائيون العرب بلادهم ويستقرون في اوروبا أو الولايات المتحدة حيث يجدون الحرية الفكرية والفنية.

"المتدين يريد أن يفرض رأيه على غيره ويلزمهم بفعل أشياء معينة غصبا عنهم، بينما العلماني لا يتدخل بشؤون المتدين ولا يفرض عليه رأيه،" يضيف سلامة. "لهذا أكثر شيء مختلف يحسه الشخص عندما يسافر خارج العالم العربي هو حريته أن يقول أي رأي في أي وقت في أي مجلس ومع أي بشر ويحس حتى لو كانوا متديين ولا يوافقونك الرأي يتقبلون رأيك. لكن في وسط نفس الناس في العالم العربي ممكن أن لا يتقبلون كلامك وكأن حدودنا حدود جغرافيه تضع ضغط عليك بأن عليك أن يكون لك رأي معين وتحترم أشياء معينة أو أن لا تقول شيئا ابدا."

فضلا عن قيود حرية التعبير واجهت السينما الحديثة في الاعوام الاخيرة صدمة أخرى بسبب إلغاء المهرجانات الخليجية التي كانت تعتبر سندا مهما لها في مجالات تمويل الانتاج والترويج والتسويق. اولها كان مهرجان الدوحة القطري ثم تلاه مهرجان ابو ظبي وفي العام الماضي اسدل مهرجان ضبي السينمائي ستاره، رغم تحقيقه نجاحا على المستوى العالمي منذ تأسيسه عام 2003.

بعض صناديق الدعم العربي ما زالت موجودة وخاصة في دول المغرب العربي، حيث تقدم الحكومات الدعم المادي للمواهب المحلية. وقد انعكس هذا الدعم في مهرجان كان السينمائي الاخير، حيث جائت معظم الافلام المشاركة من تلك الدول.

لهذا السينما العربية سوف تقتصر على جهود فردية في المستقبل القريب وتعتمد على صناديق الدعم الاوروبية، التي سوف تستمر في فرض اجندتها على الواقع العربي من خلال طرح الافلام العربية. وهذا يعني الحضارة العربية ستبقي رهينة بيد الاوروبيين، الذين نجحوا في استبدالها بحضارتهم، التي يعتبرونها ارقى وأفضل. إذ أن معظم السينمائيين العرب، الذين احاورهم، لا يستطيعون التعبير عن انفسهم أو مناقشة فنهم باللغة العربية وبعضهم  يعتبرون افلامهم اوروبية ناطقة باللغة العربية.

السؤال هو: هل يوجد حضارة عربية هذه الايام؟ وهل يمكن للحضارة العربية أن تنمو في ظل القيود على حرية التعبير ومن دون قبول تعددية الافكار؟ وهل يمكن للوعي العربي أن يتطور أذا بقيت المسلسلات التلفزيونية الميلودرامية والافلام الاستهلاكيه مصدره الاساسي؟ وهل ستواجه السينما العربية الحديثة مصيرا مشابها لمصير الربيع العربي؟