“Palm Springs” Searches for the Meaning of Life in a Time Loop

by Sam Asi July 20, 2020
A scene from "Palm Springs", 2020

neon/hulu

بينما كان فيلمها الجنوب كوري، جرثومي، يحصد أهم الجوائز السينمائية بداية هذا العام، ذهبت شركة التوزيع نيون الى مهرجان صندانس للأفلام المستقلة باحثة عن تحفة سينمائية جديدة تقودها الى رحلة جوائز أخرى آملة أن يفوز بأهم جوائز الأوسكار التي فاز بها جرثومي. وقد وجدت ضالتها في الفيلم الأمريكي الكوميدي، بالم سبرينغس، لكن كان عليها أن تخوض معركة مزايدة مع شبكات البث الالكتروني العملاقة مثل نيتفلكس وأمازون من أجل اقتناصه. فاتحدت مع شبكة هولو ودفعا معا مبلغاً قياسيا قدره 22 مليون دولار من أجل تأمين الحصول عليه.

 

مثل جرثومي، يسبر بالم سبرينغس مواضيع مهمة بدون المساومة في قيمته الترفيهية. لكن المواضيع التي يغوص فيها وجودية وسريالية وليست الاجتماعية التي ركز عليها جرثومي. وذلك ما أنقذه من محنة أزمة كوفيد 19 التي أسفرت عن خسارات هائلة لأفلام هذا العام، لأنه يعكس واقع العزلة والحبس الذي فرضته الجائحة على البشر منذ اندلاعها قبل عدة أشهر. لهذا منذ انطلاقه هذا الاسبوع، بات اكثر الافلام مشاهدة على شبكة هولو، فضلا عن وصف بعض النقاد له بأنه أفضل فيلم كوميدي هذا الصيف.

 

وفي حديث مع بطله الكوميدي، أندي سامبرغ، عبّر لي عن مفاجأته من ردود الفعل على الفيلم. "متفاجيء بحزن،" يقول. "لأنني أفضل أن لا أكون في الحجر المنزلي. إرتباط الموضوعين ببعضهما أمر سيريالي للغاية. لقد رأيت بالفعل الكثير من الميمات حول حوارات الفيلم، حيث يعبر الناس عن التكرارية التي يشعرون بها هذه الأيام."

 

يدور الفيلم حول حدث واحد وهو حفل عرس يعقد في مدينة بالم سبرينغس في صحراء كاليفورنيا مرارا وتكرارا من منظور ضيفه، نايلز، العالق في حلقة زمنية تعيده الى يوم العرس مجددا كلما مات أو استيقظ من نومه.

وعندما تتبعه أخت العروس، سارا، إلى داخل الكهف الذي أوقعه في الحلقة قبل زمن بعيد، تعلق هي أيضا فيها. فتنشأ بينهما علاقة صاخبة يسبر من خلالها الفيلم معنى الحياة والوجود.

 

بالم سبرنيغس فيلم من أفلام الحلقة الزمنية وهي نوع فرعي من أفلام السفر عبر الزمن. لكن بدلا من أن ينطلق بطلها الى الماضى أو الى المستقبل ،ينحصر في فترة زمنية محدودة تتكرر إلى الأبد، مع احتفاظ البطل بالذكريات عبر الحلقات وتطوره ذهنيا من خلال تكرار التجربة بدون أن يكبر بالسن أو يعجز بسبب توقف زمنه عن التقدم، فيصبح أكثر تفوقاً في القدرات والمهارات على الشخصيات الاخرى، التي لا علم لها بما يحدث. ويستخدم البطل تلك القدرات للخروج من سجنه الزمني.

 

ومن أجل خلق الدراما، تلك الافلام دائما توضح أن أبطالها لا يعانون من مرض سبق الرؤية أو الديجافو الذي ينبع من خلل في المخ يكون نتيجة ارتجاج عصبي، ويجعل المريض يشاهد باستمرار أشياء حدثت معه من قبل. 

 

أولها كان الفيلم الكوميدي "يوم فأر الأرض" عام الف وتسعمائة وثلاثة وتسعين.  ويحكي قصة مذيع تلفزيوني أناني، متكبر ومستهتر يقع في حلقة زمنية خلال قيامه بتغطية مناسبة فأر الأرض في بلدة صغيرة مملة ومثلجة في ولاية بنسلفانيا. فيستشيط غضبا ويزيد عداؤه وكراهيته تجاه سكان البلدة. ثم يستغل معرفته بمجرى احداث اليوم للسرقة ومضاجعة النساء ويحاول إغواء منتجة برنامجه، من خلال التعرف على كل أمور حياتها في حلقات سابقة وإتقان مهارات مختلفة تثير اهتمامها، لكنه يفشل. فيقدم على الانتحار آملا أن يخرجه الموت من الحلقة لكنه يعود إلى نفس اليوم. فيستسلم لواقعه ويشرع في تحسين نفسه وتصرفاته تجاه الناس، فتقع المنتجة في حبه. وهكذا ينجح في الخروج من سجنه.

 

"يوم فأر الأرض" يعتبر من أكثر الأفلام تأثيرا حضاريا وثقافيا وسينمائيا. فمنذ انطلاقه أثار نقاشاً بين الفلاسفة ورجال الدين والمفكرين حول تفاهة وفراغ الحياة النابع من طبيعتها التكرارية المملة، وسبل الخروج من تكراريتها وإيجاد معنى لها من خلال فعل الخير والتواضع والتسامح ومحبة الآخرين. وما زال يستخدم كمرجع لوصف واقع اجتماعي أو سياسي أو دولي مثل حالة الحجر الصحي التي ألزمت الناس في بيوتها نتيجة وباء كورونا الأخير. وقد استحضره الرئيس بيل كلينتون عندما وقع في فضيحته الجنسية عام ألف وثمانية وتسعين، بينما شبه أحد سجناء غوانتانامو وضعه بوضع بطل الفيلم.

 

 من المفارقات أن دافع مؤلف السيناريو، داني روبين، لم يكن فلسفيا أو روحانيا أو علميا بل أراد من خلال الكتابة أن يخرج من سجن التكرار والملل الذي عاشه في بداية مسيرته المهنية حينما كان يحاول النفاذ الى هوليوود. ومع ذلك تحول الى مرجع فكري وفلسفي ومُنح لقب بروفيسور في جامعة هارفارد العريقة  مع أن ظاهرة الحلقة الزمنية مستحيلة  فيزيائيا ومنطقيا وفلسفيا في عالمنا الواقعي أو على الكرة الارضية.

 

لكن فيلماً آخر من أفلام الحلقة الزمنية طُرح عام 2014، وهو فيلم الخيال العلمي، حافة الغد، الذي افترض في سرديته أن كائنات فضائية نجحت في خلق تلك الظاهرة. في الفيلم يقوم توم كروز بدور ضابط علاقات عامة، لا يجيد القتال، يُجبر على الذهاب الى الجبهة للمشاركة في المعركة ضد عدو فضائي يملك قدرة التحكم بالزمن.

 وعندما يُقتل في الجبهة، يستيقظ مرة أخرى ويعيش التجربة من جديد حيث يلتقي بضابطة وينقذها قبل أن يُقتل مجددا. وبعد استيقاظه يذهب لمقابلتها، فتخبره أنه اكتسب قدرة الرجوع في الزمن عندما اختلط دمه بدم أحد جنود العدو وأن عليه أن يستخدم ذلك لهزمه. فيباشر بالتدريب المكثف حتى يتحول إلى محارب محترف، ويستمر في تكرار المعركة وحفظ مناورات العدو حتى يصل إلى مقره ويحطمه ليخرج بذلك من سجنه الزمني.

 

الفيلم يبدو كلعبة فيديو: اللاعب يُقتل ويعود مراراً وتكراراً للعبة، مكتسباً كل مرة قدرات أفضل تساعده في اجتياز مراحل أخرى حتى أن ينتصر. وفعلاً، أقر مؤلف نصه الياباني، هيروشي ساكورازاكا، أنه استلهمه من تجربته في العاب الفيديو. فالسؤال هو هل الحياة لعبة فيديو ونحن عالقون فيها في حلقة زمنية ابدية؟

 

أما مسلسل نيتلفكس الكوميدي، لعبة روسية، فتعلق بطلته في حلقة زمنية بعد موتها في حفل عيد ميلادها السادس والثلاثين، وكلما تعود الى حفلة يوم ميلادها تموت عند انتهائها رغم محاولاتها تفادي ذلك. ثم تلتقي شخصا آخرا عالقا مثلها، ويحاولان معا اكتشاف سبب وقوعهما في الحلقة وكيفية الخروج منها. 

 

سامبرغ يقر أنه مولع بتلك الافلام، ومع ذلك لم يتردد في صنع فيلم حلقة زمنية آخر لأن بالم سبرينغ طرح عناصر حديثة ومواضيع أخرى كانت غائبة في تلك الأفلام. "رغم أنه في نطاق مشابه إلا أنه نوعاً ما يبدأ مع نهاية "يوم فأر الأرض" يوضح سامبرغ. "ويطرح السؤال: ماذا لو لم يكن الحل هو أن تكون جيدا وصالحا وأن تصبح شخصاً أفضل؟ فما عمق المأزق الذي أنت عالق فيه. وإذا استمر ذلك لمدة ربما 100 أو 200 أو 500 ألف سنة، ثم وجدت تلك الشخصية مجدداً، كيف سيبدو حالها؟ بالإضافة إلى فكرة أن تعمل مع شريك حيث تقوم بإحضار شخص آخر إلى هذا الموقف معك. ثم تتعلم عنه من شخص كان هناك منذ الأبد. ويواجهانه معا ونشاهد كيفية شعورهما تجاه الأمر بطرق مختلفة"

 

فعلا، الفيلم يستخدم شخصية سارة كأداة درامية تقودنا وتعرفنا على عالم نايلز. فقبل دخولها عالمه، لم نكن نعلم شيئا عنه. ومن خلالها نعرف أنه عالق في الحلقة الزمنية منذ زمن بعيد، ربما مئات السنين وأنه جرب كل أعمال الخير، التي ساهمت في تحرير بطل "يوم فأر الأرض"، دون جدوى ثم جرّب أعمال شر وتعاطى المخدرات وقتل نفسه مرات عدة لكنه بعد كل تجربة يستيقظ في صباح يوم العرس. فييأس و يستسلم لواقعه مدركا أن لا عواقب لما يفعله. فينغمس في ملذات حياته الأبدية، ويمارس الجنس مع النساء والرجال في الحفل، لكن شعور الوحدة والفراغ يحول دون سعادته.

 

"يبدأ الأمر ممتعاً وعاديا للغاية لكنك سرعان ما تدرك أنه في الحقيقة نابع من كونه مكسورا لدرجة أنه استسلم تماما،" يعلق سامبرغ. "ليس لديه خيار سوى أن يطفو. يمكنك القول إنه مثل زن لكنه ليس مستنيراً أبداً. بل هو ميؤوس منه أكثر عن ذلك بكثير."

 

 نايلز يكتشف السعادة وتشع فيه روح المرح عندما تظهر سارا في حياته وتشاركه في مغامراته. بداية سارا، التي كانت دائما متمردة على أهلها في حياتها، تستمتع بالحرية واللامسؤولية وغياب العواقب لأفعالها في عالم الحلقة الزمنية. لكنها تدريجيا تشعر أنها تعيش حياة فارغة بلا معنى ويصيبها الملل. فيحاول نايلز إقناعها أن لا جدوى من الرجوع الى الحياة خارج الحلقة لأنها أيضا كابوس فارغ وممل. لكنها ترفض أن تعيش حياة لا هدف أو معنى لها، وتقرر أن تجد طريقا للخروج من جنتهما الابدية والعودة إلى صراعات الحياة الفانية.

 

الصراع بين نايلز وسارا أثار النقاش وخلق عدة نظريات وجودية على منصات التواصل الاجتماعي. ويكشف سامبرغ أن ذلك عكس النقاش الذي دار بين أعضاء طاقم الفيلم حول المشهد النهائي. "كل منا[

 فكر في أمور مختلفة حول الموضوع،" يقول الممثل. "وكم هو مذهل وكيف أنعكس ذلك على شخصياتنا و منظورنا تجاه الحياة. والنقاش الذي نجم عنه رائع للغاية. إذا تمكنت من الحصول على أشخاص يخرجون من فيلمك أو ينتهون من مشاهدته وهم بحاجة للحديث أكثر حوله عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ويطرح كل منهم نظرته تجاه الحياة وتوقعاته لتصرفات الشخصيات، فإن ذلك يثير كلا من الايجابية والاستخفاف والتعمق أكثر في الفتات الذي تركناه خلال كتابة النص والتوليف. وهذا بالنسبة لي جزء كبير من السبب الذي يجعل السينما ممتعة."

 

بالم سبرينغس يطرح العديد من الأسئلة الفلسفية والوجودية: ما هي الحياة الأفضل: أبدية ومليئة بالمتع المتكررة من دون مستقبل أو عواقب لافعالنا، أو فانية ومليئة بالتحديات والمسؤوليات والطموحات والإنجازات؟ وبصرف النظر عن نوع الحياة التي نختارها، هل يمكننا تحقيق السعادة بين أناس لا نرغبهم ومن دون شريك لا نمله؟ وهل نستسلم لواقع مر أو نتمرد عليه ونخاطر للوصول إلى واقع جديد ربما يكون أفضل أو أمر؟ وهل الزمن ما هو إلا وهم اختقلته أذهاننا لتضفي معنى لوجودنا؟