“Radioactive” Examines the Consequences of Marie Curie’s Discoveries

by Sam Asi August 14, 2020
A scene from "Radioactive", 2020

amazon studios

 

منذ الإنفجار المروّع لمخازن نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت الأسبوع الماضي، اشتعلت الأسئلة حول ماهية تلك المادة التي أسفر تفجيرها عن دمار هائل في المدينة وإصابة الآلاف من سكانها.

 

في الأساس، تستخدم مادة نيترات الأمونيوم كسماد زراعي، طورها الألماني فريتز هابر عام ألف وتسعمائة وتسعة، بهدف إنقاذ البشرية من المجاعة بسبب نقص الأسمدة آنذاك. وما زال إنتاج غذاء ما يقارب نصف سكان كوكب الأرض يعتمد عليها في صناعة الأسمدة النيتروجينية. كما استخدمت كمتفجرات لأغراض سلمية في أعمال البناء والتعدين. لكن منذ الحرب العالمية الأولى استخدمت أيضا لأغراض عسكرية ولاحقا صارت المتفجرات المفضلة للحركات الارهابية بفضل توفرها.

 

من المفارقات أن هابر لا يُعرف كمنقذ البشرية من المجاعة بل كأب السلاح الكيماوي. فهل العلماء والمخترعون من على شاكلة هابر صانعو خير أم شر؟

 

هذا الموضوع يعالجه فيلم "راديوأكتيف" الذي يطرح سيرة حياة رائدة النشاط الإشعاعي، عالمة الفيزياء والكيمياء ماري سودفسكا كوري، التي تهاجر من بولندا الى باريس، لدراسة الفيزياء في جامعة السوربون. لكن كونها أمرأة يحرمها من الحصول على وظيفة باحثة علمية إلى أن تلتقي بعالم الفيزياء الفرنسي، بيار كوري، الذي يمنحها منصباً في مختبره ولاحقاً يتزوج منها.

 

وعندما تخبر ماري زوجها عن انبثاق إشعاعات غير مرئية من مادة اليورانيوم بكميات أكثر بكثير مما أعلن عنه الفيزيائي باكاريل آنفا، يترك أبحاثه وينضم إليها. وسرعان ما تكتشف وجود عنصرين كيميائيين مشعين آخرين في المادة وهما الراديوم والبولونيوم، التي تسميه على اسم بلدها بولندا. وفي مؤتمر للعلماء، حيث كانوا جميعهم من الرجال، تطرح نظرية جديدة تغيّر مفهوم تركيب الذرة، مفادها أن الإشعاعات لا تنبع من تفاعل بين مركبات ذرية، وإنما من عدم استقرار مبنى الذرة في تلك العناصر، وتسمي تلك الاشعاعات، النشاط الإشعاعي.

 

اكتشاف النشاط الاشعاعي يحول ماري الى شخصية شهيرة ويحقق لها ولزوجها جائزة نوبل للفيزياء، ومع ذلك تحرمها جامعة السوربون من لقب الاستاذية بينما تمنحه لزوجها.

 

وبعد مقتل زوجها في حادث سير مروع، تختار الجامعة ماري لتحل مكانه. وتستمر بابحاثها إلى أن تنجح في فصل معدن الراديوم المشع. فتُمنح جائزة نوبل أخرى في مجال الكيمياء.

فضلاً عن القيام بالأبحاث العلمية والتدريس في الجامعة، تشرف ماري على أول استخدام للإشعاعات لمعالجة الأورام. وتؤسس وحدة متنقلة للأشعة السينية (إكس راي)، لمساعدة المصابين الفرنسيين في الحرب العالمية الأولى، وتدير معهدي كوري: في وارسو، مسقط رأسها، وفي باريس. مقر إقامتها.

 

ماري كانت أول امرأة تكرم بجائزة نوبل عام 1903، والوحيدة التي تحقق جائزتي نوبل في مجالين مختلفين. وكانت أول امرأة تحصل على بكالوريوس في الفيزياء من جامعة باريس، وأول من تنال درجة الأستاذية. كما أن نظريتها في النشاط الإشعاعي أسست مجال الفيزياء الذرية، الذي أنتج لاحقاً القنبلة الذرية. وما زال يستخدم حتى اليوم لعلاج أمراض السرطان. لهذا ليس عجيباً أن سيرتها طرحت في العديد من الكتب والأفلام. لكن في حديث مع مخرجة "راديواكتيف"، الإيرانية-الفرنسية مارجان ساترابي، قالت لي أنها لم ترد أن تقدم مجرد سيرة ذاتية.

 ويذكر أن ساترابي كانت أول امرأة ترشح لأوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة عن فيلمها الأول برسيبوليس عام الفين وثمانية.

 

"بالنسبة لي، كان الحديث عنها مستحيلاً دون الحديث عن إنجازاتها،" تقول ساترابي. "وإذا تكلمت عن إنجازاتها، علي أن أذكر ما قدمته لنا هذه الانجازات لأننا دائما نسمع من يقول، العلم ليس جيداً، والعلم كذا أو كذا. العلماء يقومون فقط بالاكتشاف ويكشفون لنا عن أسرار الطبيعة. فالسؤال لا يدور حولهم بل حول أخلاقيات البشر. ماذا نفعل بكل ما في حوزتنا؟ يمكننا أن نكون الأفضل أو الاسوأ كما شاهدنا دائماً. وهذا ما دفعني لصنع الفيلم."

 

لهذا مزجت ساترابي مشاهد من حياة ماري بمشاهد من المستقبل تبين عواقب اكتشافاتها على البشرية. إذ يقفز الفيلم إلى عام ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين، لمشاهدة أول علاج ناجح بالنشاط الإشعاعي للطفل غوردون أيزاك، الذي كان مصابا بسرطان العين.  كما يقدم مشاهد من آثار القنبلة الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة هيروشيما اليابانية نهاية الحرب العالمية الثانية. فضلاً عن مشاهد من الحادثة الاشعاعية الكارثية في  محطة الطاقة النووية، تشرنوبل، عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين.

 

"كانت فكرتها أن تعالج السرطان، وفي الحقيقة بفضل النشاط الإشعاعي يمكننا علاجه"، تعلق ساترابي. "هل ذنب مدام كوري أنه بعد 11 عاما على موتها استخدموه لصنع قنبلة ذرية؟ بالتأكيد لا."

 

لم تدرك ماري خطورة النشاط الإشعاعي، رغم تدهور صحة زوجها، فكانت دائماً تحمل المعدن الإشعاعي في جيبها وتضعه بجانبها أثناء نومها. كما أن اكتشافها يلهم إنتاج العديد من منتوجات النشاط الإشعاعي، مثل معجون الأسنان، والشوكولاتة وكريم الوجه والمشروبات وحتى الواقيات الذكرية. لكن عندما يصاب الناس بالأورام السرطانية، تتحول ماري من محبوبتهم إلى عدوتهم.

 

"هذه معضلة متناقضة مع ذاتها، وكذلك الأمر في كل شيء،" تقول ساترابي. "لذلك بدأت فيلمي بمشهد الشمس وختمته بها. فالشمس أكبر عنصر إشعاعي في العالم الذي نعيش فيه، إنها عبارة عن كرة من النشاط الإشعاعي وبدونها لا توجد حياة."

 

هذه المعضلة المتناقضة مع ذاتها تواجهها ماري، إذ يقتلها اكتشافها. لكنها تنكر أن الإشعاع تسبب في إصابتها بمرض فقر الدم اللاتنسجي، الذي أودى بحياتها لاحقاً، مع العلم أنه حتى هذا اليوم لا يمكن الاقتراب من أوراق عملها أو لمسها بدون ملابس واقية.

 

كما تنكر أن أنوثتها شكلت تحدياُ في سيرتها العلمية، مؤكدة أن التحدي الوحيد الذي واجهته، مثل غيرها من العلماء، كان نقص الموارد لأبحاثها. ومع ذلك يركز الفيلم على التمييز الجنسي ضدها في العديد من المشاهد. مثل عدم السماح لها بتقديم أبحاثها دون مرافقة زوجها لها، ثم حرمانها من تشاطرها جائزة نوبل لاكتشاف النشاط الإشعاعي معه إلى أن تدخل أحد مناصري حقوق المرأة في السويد، ولم تدعوها لجنة جائزة نوبل لحفل تسليمها الجائزة الثانية من أجل تفادي الجدل حول فضيحة علاقتها الجنسية مع تلميذ زوجها بعد وفاته.

 

"صحيح أنها لم تجعل من ذلك قضية لهذا حاولت أن أقرّبه قدر الإمكان،" تقول ساترابي. " لم تشارك في نشاطات الحركات النسائية، لكنها كانت رائدة في حقوق النساء. فقبلها، كانت النساء يعتقدن أن مجال الأبحاث العلمية غير مناسب لهن، فكن يدرسن العلوم لكي يصبحن معلمات ولم يدخلن مجال العلم. واتهامها بأنها عاهرة بسبب علاقتها مع عالم آخر واقع حقيقي."

 

مثلها مثل العنصر الكيميائي "الراديوم"، الذي وصفته بأنه لا يتصرف مثل العناصر الاخري عندما قدمته للعالم عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين، لم تتصرف ماري كنساء عصرها. فقد تحدت المجتمع الذكوري وسلكت طريق الأبحاث العلمية، وتمكنت من تحقيق أكثر الإنجازات العلمية تأثيرا على الانسانية ونيل احترام وتقدير المجتمع العلمي.

 

لكن إنجازاتها لم تحمها من أخطر تحد واجهته من المجتمع، وهو رهاب الأجانب بسبب جنسيتها البولندية، وخاصة بعد الكشف عن علاقتها الجنسية مع رجل متزوج وإصابة الناس بالأورام. ورغم أنها أنقذت ارواح العديد من الجنود الفرنسيين خلال الحرب العالمية الأولى، الا أنها لم تنل أي تقدير على ذلك من الحكومة الفرنسية.

 

هابر، الذي كان يهوديا، أيضا ترك ألمانيا بسبب معاداة السامية، رغم تطوير الاسلحة الكيماوية التي قتلت الالاف من جنود أعداء ألمانيا في الحرب العالمية الأولى.

 

"العنصرية هي مشكلة لا حل لها،" تقول ساترابي. "علمياً، العنصري يتصرف مثل القرد. ففي مجتمع القرود، عندما تشاهد قبيلة من القرود قبيلة أخرى قادمة، تعتقد أنها آتية لأخذ طعامها وأراضيها فتهاجمها. العنصري لا يفهم أن الشخص الآخر هو بشر مثله يمكنه التواصل معه."

 

لهذا "راديوأكتيف" هو بمثابة مرافعة دفاع عن ماري وعن العلماء الذين اكتشفوا أسرار الطبيعة ونُسبت إليهم اضرار سوء استخدامها على يد الآخرين، ويذكّر أنه لولا اكتشافات العلماء لسحقت الانسانية، إثر المجاعة أو الأوبئة والفيروسات أو الامراض الاخرى. لكن العلماء

ليسوا محصنين من العيوب البشرية والغرائز الفطرية. فبينما يخدمون الإنسانية بأكملها في زمن السلم، تقتصر خدماتهم على بلدانهم في زمن الحرب. وهكذا تتحول اكتشافاتهم من مفيدة الى مدمرة.