Saudi Themes Dominate at Sundance 2020

by Husam Asi January 28, 2020
A scene from "The Dissident", 2020

A scene from The Dissident.

sundance.org

 

رغم البرد القارس واكوام الثلوج المتراكمة على الطرق،  يتدفق كل بداية عام مئات الالاف من صناع السينما وعشاقها الى مهرجان صندانس للافلام المستقلة في مدينة بارك سيتي ليتذوقوا ابداعات سينمائية تتميز بالاصولية والمجازفة والتمرد على الانماط السائدة، التي تتبعها عادة افلام هوليوود. فخلافا لهوليوود، على سبيل المثال، صندانس ساهم في تطوير مواهب عربية وطرح العديد من افلاهم الروائية والوثائقية، التي ذهبت بعضها للترشح للاوسكار مثل فيلم المصرية جيهان نجيب، الميدان، الذي رشح للاوسكار عام 2014, والفيلمين السوريين، آخر الرجال في حلب وآباء وابناء، الذيّن رشحا للاوسكار في عامي 2018 و2019 على التوالي.

 

ما يلفت النظر هو أن صندانس يميل الى افلام عربية تعالج الواقع العربي السياسي والاجتماعي، وتحديدا في الدول التي تمر في صراعات سياسية، لهذا عُرضت الكثير من الافلام التي تناولت ثورات الربيع العربي في مصر وسوريا والعراق واليمن. لكن هذا العام يسلط المهرجان الضوء لاول مرة على الواقع السعودي والتطورات الاخيرة التي طغت علي عناوين الصحف العالمية على غرار مقتل الصحفي والناشط السياسي السعودي جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في استانبول. تلك القضية تناولها الفيلم الوثائقي، المنشق، للمخرج بريان فوغل، الذي فاز باوسكار أفضل فيلم وثائقي العام الماضي عن فيلم آيكاروس.

 

المنشق يغوص عميقا في احداث ما وراء عناوين الاخبار ويُطرح كفيلم تشويق هوليوودي مرعب. بداية يقدم الفيلم ناشط سياسي سعودي في اواخر العشرينات من العمر، عمر عبد العزيز، الذي يعيش في المنفى في كندا في رعب دائم، بسبب التهديدات التي تنهال على تلفونه الجوال يوميا. ومن خلال تجربة عمر يكشف لنا الفيلم عن الواقع الذي كان يعيشه خاشقجي، الذي كان المرشد لعبد العزيز وغيره من الناشطين السعوديين، الذين يعيشون في المنفى، ويستخدمون منصة التواصل الاجتماعي تويتر لتوصيل رسالتهم لابناء شعبهم في السعودية.

 

في الاعوام الاخيرة وصلت نسبة استخدام موقع التواصل الاجتماعى في السعودية الي 80%, لهذا قامت السلطات هناك بمشروع ضخم جندت فيه كوادر ضخمة من التقنيين لمراقبة مستخدمي توتير السعوديين في كل انحاء العالم والترويج للحكومة من خلال حسابات وهمية. كما تصدت للناشطين من خلال استخدام برنامج تجسس اسرائيلي وهو بيغاسوس لملاحقتهم في كل مكان من خلال اختراق حواسيبهم وتلفوناتهم الجوالة. وعندما نجحوا في التسلل لتلفون عبد العزيز، تمكنوا من الوصول الى خاشقجي ومعرفة ما كان يخطط له من نشاطات ضدها. 

 

خاشقجي، الذي كان مقربا من العائلة المالكة، رحب بداية باصلاحات ولي العهد محمد بن سلمان، لكنه انتقد بشدة خنق الحريات ومنع تعددية الاراء. فتلقى اوامر من السلطة للتوقف عن كتاباته، فرفض وترك السعودية وعاش في المنفى حيث انضم الى الناشطين السياسيين السعوديين ودعمهم في فعالياتهم، مما أثار قلق الحكومة السعودية، لانه يعرف النظام عن قرب، فقررت اسكاته.

 

في تركيا، التقى خاشقجي بصحافية تركية، خديجة، وقررا أن يتزوجها. لكن كان عليه أن يرتب اوراق الطلاق من زوجته في السعودية في القنصلية السعودية. وعندما ذهب هناك، استقبلوه ورحبوا به وطلبوا منه أن يعود بعد خمسة أيام. 

 

لكن عندما عاد، قادوه الى مكتب القنصل، الذي كان ينتظره، وبعد حديث قصير بينهما، خرج القنصل ودخل فريق تصفية وصل على التو من السعودية وبدأوا بالتحقيق معه وشتمه، ثم طلبوا منه أن يرافقهم الى السعودية، لكنه رفض. فخنقوه حتي أن اغمي عليه ثم خلعوا ملابسه وبتروا أعضاء جسده بمنشار كهربائي. كل تلك التفاصيل حصل عليها مخرج الفيلم من السلطات التركية، التي أعطته النسخة المكتوبة للتسجيل الصوتي للاحداث.

 

خبراء تجسس قاموا بفحص جوال عبد العزيز واكتشفوا أنه أُخترق من قبل برنامج التجسس الاسرائيلي، الذي تستخدمه السلطات السعودية للتجسس على كل اعداءها إن كانوا سعوديين أو اجانب. من ضمنهم، أغنى رجل في العالم، جيف بيزوز، رئيس شركة امازون، الذي أراد محمد بن سلمان معاقبته لأنه دار ضده بعد اغتيال خاشقجي.

 

مقتل خاشوغجي أثار الرعب في قلوب الناشطين السعوديين في المنفى ولا سيما أنه لم يضر بالحكومة السعودية. فرغم الادلة القاطعة التي قدمتها سلطات الامن التركية والمخابرات الامريكية عن تورط الحكومة السعودية في العملية الا أنها لم تُقاطع من أي حكومات غربية وتحديدا الحكومة الامريكية، برئاسة دونالد ترامب. 

 

عبد العزيز أيضا عُرض عليه الرجوع الي السعودية، لكنه رفض خوفا من اعتقاله هناك. فقامت الحكومة بسجن زملاءه واخيه، الذي لقي حتفه تحت التعذيب. 

 

منافسة ترامب في الانتخابات الرئاسية الاخيرة، هيليري كلينتون، حضرت عرض الفيلم. وفي حفل لاحقا، التقيت بها وسألتها عن رأيها، فقالت أن الفيلم كان مؤثرا جدا، لكنها رفضت أن تعلق على الرد الفعل الذي كان يمكن أن تتخذه في مثل هذا الوضع لو كانت الرئيسة.

 

فيلم وثائقي آخر ليس أقل تشويقا من الاول تناول ظاهرة الاف الفتيات التي هربت من السعودية في الاعوام الاخيرة وهو  "سعودية هاربة"، الذي يلاحق فتاة سعودية في الخامسة والعشرين من العمر، تدعى منى، تخطط للهرب من السعودية. وبما أن لا يمكن للنساء السفر خارج السعودية بدون مرافق ذكر، توافق منى على الزواج من شاب لا ترغبه لكي تسافر معه الى ابو ظبي في شهر عسل وتهرب من هناك.

 

منى قامت بتصوير كل مشاهد الفيلم سرآ بجوالها تحت ارشاد مخرجة الفيلم السويسرية، كريستيان فري، منذ أن قررت الفرار، حيث نشاهدها تعيش مع اخيها الصغير وأمها ووالدها الذي يتحكم بكل امور حياتهم ولا يسمح لهم بالخروج من البيت بدون موافقته. لهذا كانت تشعر سجينة في بيتها وتحلم بالحرية، التي حرمها منها والدها أو المجتمع الرجولي. 

 

بلا شك أن الفيلم يتسم بقيم فنية راقية جدا ولا استغرب اذا نال الاسكار العام المقبل. لكنه يعاني من نفس تنميط الرجل السعودي، الذي دائما يُحمل مسؤولية ظلم النساء في الافلام الغربية، متغاضية حقيقة أن الشباب في السعودية أيضا يعانون من قيود العادات والتقاليد، التي يفرضها عليهم مجتعمهم المحافظ. ذلك المجتمع ليس مكونا من رجال وحسب، بل أيضا من نساء، الاتي يكنّ احيانا أكثر صرامة من الرجال في خنق حريات النساء.

 

في الفيلم تقر منى أن ولي العهد، محمد بن سلمان، يحاول أن يوسع من حريات النساء ويفتح لهن ابوابا مغلقة امامهن، لكنه يواجه تحديات من مجتمع محافظ جدا، يعتبر الانفتاح انحلالا اخلاقيا. وفي مشهد اخر يشكي شاب سعودي من حرمان الشباب من التواصل مع شابات مثل غيرهم من البشر خارج بلدهم، ويقول أن أكثر من 50% من الشباب يعانون من هذا الخنق.

 

من جهة اخرى، المخرجة السعودية هيفاء المنصور، التي حضرت المهرجان مع فيلمها، المرشحة المثالية وتشارك في لجنة التحكيم، قالت في ندوة بعد عرض فيلمها أن الطريق الى التغيير وتحقيق الحريات في السعودية يأتي من الداخل وليس من الخارج، مؤمنة أن الفن يمكنه أن يغير أفكار الناس ونظرته تجاه الاخر وتجاه النساء. 

 

من المفارقات أن كل من خاشقجي ومنى رحب بالاصلاحات التي يقوم بها ولي العهد السعودي ومع ذلك شعر كل منهما أن ما فعله ليس كافيا ولم يتحملا حياة الخنق الاجتماعي والسياسي. لكن من جهة تعترف منى أن ولي العهد لا يمكنه أن يبالغ بالتغييرات في مجمتع محافظ. أما خاشقجي فقط صرح أن شدة العداء الذي كان يواجهه من السعوديين لم تكن أقل من عداء حكومتهم. لكن في خارج السعودية وهنا في المهرجان يضعون كل اللوم على الحكومة ويؤكدون أن كل الشعب السعودي ضدها، متغاضين تماما طرح المنصور، المؤيد الى حد ما لسير اصلاحات ولي العهد. 

 

وفي خضم هذه الافلام الوثائقية، طرح المخرج والكاتب الامريكي، الان بول، في فيلمه، العم فرانك، قصة حب بين شابين مثليين، امريكي يدعى فرانك وسعودي يدعى والي، في سبعينيات القرن الماضي، حيث يواجه كل منهما رفض وعداء مجتمعه له. فبينما يشكو والي أن مثليين مثله يعدمون في بلده، فرانك يحرمه والده من ارثه ويعتبره لعنه وعار لعائلته.

 

رغم دكانه موضوع الفيلم الا أنه مرح جدا. ومصدر معظم ذلك المرح شخصية والي، الذي يجسده الممثل اللبناني بيتير مقدسي. لهذا بغض النظر عن نوع الشخصية الا أن الفيلم يحمل رسالة مبطنة وهي أن الانسان العربي لا يختلف عن الامريكي وأنه يواجه نفس التحديات الاجتماعية التي يواجها الانسان الامريكي. كما أنه يلفت نظر المشاهد الامريكي الا أن مجتمعه أيضا محافظ وعداءي تجاه من يخالف معتقداته مثل المجتمع السعودي. 

 

تلك الافلام كانت محور الحديث والنقاشات في كل حفلات ومناسبات المهرجان. فبينما طالبت الاغلبية من رواد المهرجان بمقاطعة السعودية ومشاريعها الفنية، هناك قلة يعتقدون أن من الحكمة العمل مع الفنانين السعوديين ودعمهم في تطوير الفن هناك لكي يتمكنوا من طرح نظرتهم التقدمية لمجتمعهم.