Sundance 2017 Highlights Syrian Crisis مهرجان صندانس للأفلام المستقلة يسلط الضوء على الوضع السوري

by Sam Asi January 28, 2017

A scene from Last Men in Aleppo

sundance

Just when Donald Trump issued a ban on the entrance of Syrian refugees to the United States, Sundance Film Festival was highlighting their plight through the screening of four heartbreaking documentaries: Cries From Syria, Last Men in Aleppo, City of Ghosts and The Good Postman, which expose the most horrific atrocities humanity has witnessed this century.

 

للعام الرابع على التوالي، يسلط مهرجان صندانس للأفلام المستقلة الأضواء على الكارثة السورية من خلال عرض أربعة أفلام تسجيلية تسبر الواقع السوري منذ اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد وتحولها إلى حرب أهلية مروعة، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من السوريين وتشريد الملايين منهم. رواد المهرجان، الذين حضروا عروض هذه الأفلام أصيبوا بالهلع مما شاهدوه من بشاعة إنسانية، وخاصة تجاه الاطفال الابرياء، وكأنهم كانوا يشاهدون أفلام رعب خيالية. ويتمسمرون في مقاعدهم  بعد نهاية عرض كل فيلم بدون حركة أو صوت وكأنهم أصيبوا بالشلل الجسدي والنفسي.

 

الفيلم الأول وهو "صرخات من سوريا" من إخراج الأوكراني، يفغيني أفينيفسغي، الذي رُشح فيلمه "شتاء مشتعل: كفاح أوكرانيا من أجل الحرية" لأوسكار أفضل فيلم تسجيلي العام الماضي. ويفتتح أفنيفسغي الفيلم بمشهد الطفل السوري، ألان كردي، الذي قذف البحر جثته على سواحل تركيا نهاية عام 2015، ومن هنا يعود إلى عام 2011 في مدينة درعا، حيث انبثقت شرارة الثورة السورية، بعد أن تم اعتقال بضعة أطفال بسبب كتابة شعارات تنادي بالحرية على حائط مدرستهم  وإرجاعهم إلى أهاليهم جثث ممزقة من التعذيب. أهالي درعا انتفضوا سلميا من خلال مسيرات طالبوا فيها بالحرية والديمقراطية، ولكن رد النظام كان الرصاص الحي والاعتقالات العشوائية والتعذيب الوحشي، مما أشعل غضب الجماهير السورية في مدن أخرى، مثل حمص، حيث برز احد قيادات الثورة وهو المغني الشعبي وحامي مرمى كرة القدم الشهير، عبد الباسط الساروت، الذي كان ايضا محور الفيلم الوثائقي "العودة الى حمص"، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان صندانس عام 2014.

 

الفيلم يقدم صور مرعبة لجثث رجال ونساء وأطفال، كانوا تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب. هؤلاء الناس لم يرتكبوا أي جرائم وذنبهم الوحيد هو أنهم تجرأوا على المطالبة بالحرية. أحدى النساء "المحظوظات"، التي لم تلق مصرعها في السجن، انفجرت بالبكاء أمام الكاميرا عندما تحدثت عن أغتصاب رجال وأطفال ونساء وحتى العجز منهن أمام أعينها وأمام عيون اهاليهم على يد عناصر مخابرات النظام السوري. بشاعة النظام أدت إلى نزوح العديد من قيادات جيشه وانضمامهم الي الثورة، التي تحولت من سلمية إلى عسكرية يقودها الجيش السوري الحر، الذي حقق انتصارات مهمة وسيطر على أهم المناطق السورية وكان على وشك أن يهزم النظام عندما تدخلت قوات حزب الله اللبناني وقوى إيرانية وبثت روح الحياة في قوات النظام، التي كانت ينازع.

 

النظام السوري قام أيضا بإطلاق سراح المجرمين و الاسلاميين المتطرفين من سجونه لكي يثير الفوضى في المدن التي كانت تسيطر عليها المعارضة. وبالفعل ذلك كان ما حدث. عناصر القاعدة ومن ثم داعش تغلغلت في مناطق المعارضة وبدأت تفرض سيطرتها عليها مستخدمة وسائل همجية لا تقل بشاعة عن بشاعة النظام كقطع الرؤوس وخلع العيون واستئصال الاسنان والجلد المبرح والتعذيب بالكهرباء. فجأة حلم الحرية تحوّل الى كابوس مرعب. وأشتعلت سوريا بنيران حرب أهلية بين فئات عدة، مما دفع أبنائها للبحث عن الامان في دول قريبة وبعيدة، مخاطرين بأرواحهم عبر البحار الهائجة، التي التهمت المئات منهم. أما الذين بقوا في ديارهم، فكان مصيرهم الموت تحت أنقاض بيوتهم، التي قصفتها الطائرات الحربية الروسية.

 

الصورة التي يطرحها "صرخات من سوريا" مفجعة ومحبطة. كيف يمكن لأي زعيم أن يحطم بلده ويقصف معالمها التاريخية ويشرد شعبه ويقتل مئات الملايين منهم من أجل الحفاظ على كرسيه؟ وكيف يمكن للعالم والإنسانية أن تقف صامتة مكتوفة الايادي امام هذه الجرائم الوحشية؟ ولكن من مستنقع هذا الانحطاط البشري نبعت قيم إنسانية راقية. الفيلم يعرض بطولات سورية لا مثيل لها توحي روح الأمل والثقة بالإنسانية. أمام شر النظام ولا مبالاة العالم, صمد الشعب السوري بشجاعة باسلة وأخذ زمام الأمور بنفسه. مجموعة من المتطوعين يسمون "الخوذات البيضاء" أسسوا الدفاع المدني من أجل خدمة أبناء شعبهم ونشل المصابين من تحت أنقاض الدمار واسعافهم. هؤلاء المتطوعين هم من المدنيين المهنيين، الذين يخاطرون بحياتهم من أجل إنقاذ أبناء شعبهم، الذي أهمله العالم. ومنذ 2013 أنجدوا حياة أكثر من 60 ألف شخص.

 

"الخوذات البيضاء" كانوا محور فيلم فراس فياض الوثائقي "آخر رجال في حلب"، الذي يوثق فعالياتهم البطولية التي يعجز عن تحقيقها أبطال أفلام هوليود الخيالية. رغم نقص الأدوية والمعدات والتكنولوجيا الحديثة وتعرضهم للقصف المتواصل الا انهم يتمكنون من الوصول إلى كل حدث ولا يتركون المكان حتى يتأكدون من نشل كل من كان تحت الانقاض واسعافه ونقله الى مستشفى بينما تحلق فوق رؤوسهم الطائرات الروسية، التي قتلت عدة منهم بينما كانوا يقومون بنجدة ضحايا قصفها.

 

 ولكن حتى هؤلاء الأبطال الجسورين، ينهالون أمام المناظر المروعة التي تتجلى أمامهم من أشلاء أطفال وأبرياء وينهارون بكاءا. وفي نفس الوقت تعمهم الفرحة والبهجة عندما ينقذون طفلا أو رضيعا حيا وهذا ما يحثهم للاستمرار في عملهم رغم المخاطر التي يواجهونها.

 

وكما هي العادة في معظم الأفلام، التي تطرح الوضع السوري، ينتهي الفيلم باستشهاد عدد من أبطاله. أحدهم  كان يوّد أن يهاجر الى تركيا ولكنه قرر أن يؤجل ذلك لكي يخدم في صفوف الدفاع المدني ويلقى حتفه من قصف روسي بينما كان يقوم بإنقاذ ضحايا قصف سابق. ويُذكر أن فيلم آخر يدور حول "الخوذات البيضاء" بنفس الاسم  مرشح لأوسكار أفضل فيلم وثائقي قصير هذا العام.

 

فيلم ثالث وهو "مدينة الأشباح" يقدم بطولات أخرى ليست أقل خطورة وأهمية يقوم بها سوريون صحافيون وهي توثيق القمع والجرائم التي يرتكبها النظام السوري وداعش بحق شعبهم. الفيلم هو من إخراج ماثيو هينيمان، الذي رُشح فيلمه "أرض عصابات تجارة المخدرات" لأوسكار أفضل فيلم تسجيلي العام الماضي.

 

"مدينة الأشباح" لا يخلو من مشاهد الجرائم البشعة ولكن تركيزه هو على الذين يخاطرون بكل شيء من أجل أن يوثقوها ويبثوها للعالم وهم أعضاء حملة "رقة تذبح بصمت"، التي أسسوها بعد احتلال داعش لبلدهم رقة. بداية كانوا يعلمون من داخل سوريا ولكن بعد اعتقال وقتل عدد منهم على يد عناصر داعش، انتقلوا الى تركيا، معتمدين على المعلومات التي كان يبعثها لهم ناشطون من داخل بلدهم. وسرعان ما لاحقتهم داعش الى تركيا وصارت تغتال أعضائها. فابتعدوا إلى ألمانيا مما دفع داعش للانتقام من أقاربهم وارسال فيديوهات إعدامهم لهم. ففي أحد المشاهد المفجعة، يشاهد أحد أعضاء  "رقة تذبح بصمت"  فيديو ذبح أبيه على يد عناصر داعش. وهذا كان مصير أقارب كل أعضاء هذه الحملة.

 

فيلم آخر وهو "ساعي البريد الطيب" الذي يحكي قصة ساعي بريد بلغاري يخوض انتخابات رئاسة مجلس بلدته التي تقع على حدود تركيا وهي أول محطة أوروبية للاجئين السوريين، الذين يواجهون معاملة سيئة من السلطات البلغارية العنصرية، التي تعاملهم بعنف وترجعهم حيث أتوا. ساعي البريد يخوض حملة لإقناع سكان بلدته وحكومته بالسماح للاجئين السوريين بالسكن في بلدتهم، التي باتت خالية من سكانها منذ نهاية الحكم الشيوعي في بلغاريا وذلك من أجل بث روح الحياة فيها ولكن دون جدوى.

 

وفي مقابلة أجريتها مع نائب الرئيس الأمريكي السابق آل غور, الذي حضر المهرجان مع فيلمه الوثائقي "التكملة الغير مريحة"، الذي يحذر فيه من عواقب تلوث البيئة والاحتباس الحراري، قال لي أن السبب وراء الحرب الأهلية السورية هو الجفاف، الذي أسفر عن نزوح 1.5 مليون سوري من المناطق الريفية إلى المدن مما ساهم في إشعال الثورة الشعبية.

 

رغم الصور المحزنة والمحبطة التي تعرضها كل هذه الأفلام إلا أنها تثير شعور التقدير والإعجاب تجاه الشعب السوري، الذي رفض الاستسلام وصمد أمام أبشع أنواع القمع. ثمن هذه الثورة كان غاليا ولكنها لم تفشل، إذ أنها كشفت عن طاقات هائلة وقيم أخلاقية راقية لأبنائها وخلقت بطولات خارقة وأنبعت مواهب مبدعة. فما بالك لو كان ينعم هذا الشعب بالحرية والديمقراطية، مثل غيره من شعوب العالم الغربية. تبا للحكام العرب الذين خنقوا طاقات ومواهب شعوبهم ودفنوها في مستنقع التخلف والإحباط من أجل الحفاظ على كراسيهم المعفنة. هؤلاء الحكام هم أشد عداء  للشعوب والحضارة العربية من الغرب وروسيا وإسرائيل.

 

فيلم آخر عُرض في المهرجان من المخرج المصري-السويدي، طارق صالح  وهو "حادثة فندق هيلتون النيل"، الذي يكشف عن فساد السلطة والمباحث المصرية قبل اندلاع ثورة يناير 2011 من خلال سرد قصة ضابط مباحث فاسد يتمرد على مسؤوليه، الذين يجبروه على إغلاق ملف قتل عشيقة عضو برلمان ثري من زملاء إبن الرئيس حسني مبارك.

 

الفساد هو آفة تعاني منها كل الدول العربية ولكن المحزن هو أن الثورة المصرية التي اندلعت من أجل القضاء على هذا الفساد لم تغير شيئا. السلطات المصرية الحالية لم تسمح لصالح بتصوير الفيلم في مصر, وقال لي بأنه هُدّد بالمسّ بسلامة عائلته إذا لم يترك مصر خلال 30 يوما. "أنا محظوظ لأنني أملك الجنسية السويدية ولكن تخيل الضغوط التي يواجهها الفنانين المصريين،" يعلق صالح، الذي اضطر أن يصوّر فيلمه في الدار البيضاء في المغرب.

 

وبينما كان يتألم رواد مهرجان صندانس الامريكيين من مشاهدة عناء الشعب السوري، أعلن رئيسهم ترامب عن إلغاء برنامج هجرة السوريين إلى الولايات المتحدة. ولكن الشعب السوري، الذي صمد أمام أصعب التحديات، أثبت أنه لا يهزم لا على يد بشار أو بوتين أو ترامب.